القاموس

Rate:
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 2.3/5 (4 votes cast)
إطبع هذه المقالة إطبع هذه المقالة Bookmark and Share

1.الليبرالية الكلاسيكية:

وهي فلسفة سياسية واقتصادية، تعتمد الإرث التنويري في محاولةٍ للإيضاح، والتعريف بحدود السلطة السياسية، ونشر ودعم مبدأ الحرية الشخصية والمُلكيّة الخاصة.

على الرغم من أن منبر الحرية لا يسعى إلى تبني أيةُ هوية سياسية، فإن تعذر تجنب مثل هذا التصنيف، يدفعنا إلى تفضيل وصف “ليبراليون كلاسيكيون”.

تُعرف الليبرالية الكلاسيكية بأنها فلسفة نجمت عن أفكار شعوب وثقافات وأديان مختلفة، تدعو إلى مجتمع مفتوح مبني على التعددية، وعلى حرية التجارة، ومفهوم الحكومة المقيدة الصلاحيات، بالإضافة إلى مبدأ احترام حرية الفرد. ضمن هذا المفهوم ينحصر دور الحكومة في تامين المناخ المناسب للفرد ليتمكن من ممارسة حرياته دون أي تعسف.

أن التركيز على الحرية الفردية وتقييد دور السلطة التدخلي، في الفكر الليبرالي، يعززان من قوة وفاعلية المجتمع المدني كما ويوفران الجو الملائم لإقامة مجموعة من العلاقات السلمية والطوعية بين كافة مكونات ومفردات المجتمع المدني . الأمر الذي يعكس أثرا ايجابيا على صعيد المجتمع.

ترتبط كل من الحرية السياسية والاقتصادية بعلاقة جدلية متبادلة، إذ أن دور أيا منهما مرتبط بتواجد الأخرى. فمن غير الممكن الدعوة إلى مجتمع ديمقراطي مع غياب بعض المقومات الاقتصادية الأساسية كالملكية الخاصة.

على الصعيد الثقافي، تحترم الليبرالية الكلاسيكية التنوع الديني، فمن حيث المبدأ ليس هناك من سبب يمنع أن يتعايش أبناء الديانات المختلفة بسلام. إلا أنه و في أحيانٍ كثيرة يكون التدخل السياسي التعسفي للحكومات سبباً في إعاقة إمكانية التعايش تلك. إذا تمت ممارسة السلطة السياسية بشكل تعسفي فقد تؤدي إلى تهديد العقد الاجتماعي لأي مجتمع ما.

كل هذا لايعني بطبيعة الحال عدم الاعتراف بمكان للحكومة، فالليبرالية الكلاسيكية تدرك الدور الهام للحكومة في حماية النظام والعدالة. ولكن بما أن الحكومة تملك السلطة والقوة فمن الواجب والمفيد أن تكون هذه السلطة مقيدة ومراقبة. في هذا المجال يدعم الليبراليون الكلاسيكيون حكم القانون والمؤسسات الدستورية، الأمر الذي يحد من الاستعمال التعسفي للسلطة من قبل المسؤولين الحكوميين.

وفق هذا المفهوم لليبرالية الكلاسيكية تصبح هذه الفلسفة مناسبة وضرورية للعديد من المجتمعات ومن بينها مجتمعات الشرق الأوسط.

2. الليبرتارية (مذهب مؤيدي مبادئ الحرية):

هي فلسفة تحررية (فردانية) مرتكزة على الفرد و مؤيدة للحقوق الفردية للمواطن و داعية لتقييد سلطة الدولة.
إنها تؤمن بأنه يجب أن تكون لدى جميع الأفراد الحريّة لفعل ما يريدون بأنفسهم وممتلكاتهم، طالما أن هذه الأفعال لا تنتهك حرية الآخرين.
بناءً على ذلك، فإن الحريّة متساوية بين الأفراد دون أن يكون لأيّ فرد حريّة تزيد عن أيّ شخص آخر. ويؤمن الليبرتاريون بأنه لا يجوز لأي شخص (أو حكومة) ممارسة الإكراه. ويصفون “الإكراه” بأنه استخدام القوّة البدنية، أوالتهديد باستخدامها، أو الخداع (الاحتيال) المراد منه تغيير طريقة تمتع الأفراد بممتلكاتهم. إن الإكراه مسموح به أخلاقياً فقط عند استخدامه للدفاع عن النفس.
ويعتقد الليبرتاريون بوجه عام أنه يجب على الحكومات أن تتمسّك بنفس المعايير الأخلاقية كالأفراد. لذلك، فإنهم يعارضون معظم  الممارسات الحكومية أو جميعها، حتّى ولو كانت تلك الحكومة منتخبة بأغلبية ديمقراطية. وعليه فطالما أن الأفراد لا يمارسون أي إكراه فإنه لا يتوجب على الحكومة التدخل. هذا الموقف من الإكراه ينطبق أيضا على المجال الاقتصادي. فمؤيدو  هذا المذهب يعارضون تدخل الحكومة في الاقتصاد ( عدا التدخل لمنع قيام بعض المنظمات الاقتصادية بالإجبار أو الاحتيال) ويذهبون الى أبعد من ذلك حين يعارضون معظم أنواع الضرائب عدا ما يعتقدون أنه يكفي لتلبية وظيفة حماية الحرية الفردية والملكية الخاصة والسوق الحرة. اذاُ من خلال هذه الوظائف، يرى الليبراليون دور الدولة وحجمها.

3. الديمقراطية:

كلمة الديمقراطية مشتقة من الكلمة اليونانية “ديموس” (الشعب) و”كراتوس” أي (الحُكم). كان حكماء اليونان الأقدمون يقارنون هذا الحكم من قبل الناس (أو الأكثرية) بالحكم الملكي (حكم الفرد)، والأرستقراطية (حكم الأرشد) والأوليغاركية (حكم القلة).

لقد انتقد كل من أفلاطون وأرسطو نظام الحكم الديمقراطي. واستمرت هذه الانتقادات لقرون عديدة بعدهما.
فبالنسبة لأفلاطون، فان الحكم  هو عملية معقدة صعبة، عملية تتطلب درجة عالية من المعرفة والتخصص والفضيلة — و هي صفات نادرة وغير موجودة بين عامة الناس. فإذا أُسندت السلطة السياسية إلى الجماهير، فإنها سوف تستخدمها لتحقيق مصالحها الأنانية قصيرة النظر، وسوف تكون النتيجة اظطراب ونزاع اجتماعيين. وفي هذا  الصدد يتفق  كل من أفلاطون وأرسطو بأن الديمقراطية الصرفة، من شأنها أن تتحول إلى حكم الرعاع، وأن الديماغوجيين سوف يستغلون الفوضى الاجتماعية لكسب سلطات استبدادية.
لقد كان إدموند بيرك  محقا  عندما تنبأ في كتابه ” تأملات حول الثورة في فرنسا” 1790 ، بأن دكتاتورا عسكريا سوف يظهر من قلب الفوضى الديمقراطية للثورة الفرنسية ( وهذا ما فعله نابليون).
وعلى الرغم من أنه كثيراً ما يشار إلى الولايات المتحدة كـ”ديمقراطية”، فإن كثيراً من مؤسسيها مثل جيمس ماديسون— والد الدستور الأمريكي—أكد أن الولايات المتحدة جمهورية وليست ديمقراطية. هذا يدلل على حقيقة أن الديمقراطية كانت كلمة غير محببة، حتى في أواخر القرن الثامن عشر. ولكي نفهم هذا الجفاء، علينا أن نفهم بأنه عندما تحدث الفلاسفة الأقدمون عن الديمقراطية، فقد كانوا غالبا ما يعنون بها الديمقراطية الصرفة، من النوع الذي كان موجوداً في اليونان القديمة. وكما أوضح ماديسون في الأوراق الفيدرالية، فإن الديمقراطية النقية هي “مجتمع مُكوَّنٌ من عددٍ صغير  من المواطنين الذين يجتمعون ويديرون شؤون البلاد شخصياً.” وقد قدم ماديسون العديد من الاسباب التي تشرح كيف أن هذا النوع من الحكومة، التي تفتقر إلى أية ضمانة لحقوق الأفراد، من شأنها أن تؤدي حتماً إلى اضطهاد الأقليات. لهذا الأسباب فإنه أوصى بنظام جمهوري للحكم، والذي يقوم على أساس تفويض السلطات “إلى عدد قليل من المواطنين ينتخبون من قبل الآخرين.”
إذا كنا نعني بـ”الديمقراطية” نظام حكم تكون السيادة النهائية فيه “للشعب”، عندها فإن نظام الحكم الجمهوري يستحق بشكل واضح أن يتأهل كبلد ديمقراطي، وفي الحقيقة، فإننا عندما نتحدث عن الديمقراطية في يومنا هذا، فإننا لا نعني الديمقراطية الصرفة التي قامت في عهود سابقة، بل “الديمقراطية التمثيلية” التي قامت في الأزمنة الأخيرة.

ومع أن الليبراليين الكلاسيكيين بشكل عام، أيدوا الديمقراطية التمثيلية كأفضل نظام للحكم، فإن كثيراً منهم ظلوا قلقين من المخاطر التي قد تفرزها “الاستبدادية الديمقراطية”. وكما أوضح هيربرت سبنسر، فإن الاهتمام الأساسي “لليبراليين الحقيقيين”، كان حول مدى السلطة السياسية، وليس حول شكل الحكم الذي مارس تلك السلطة. يمكن للديمقراطية أن تنتهك حقوق الإنسان تماماً كما يمكن للمَلَكية أو الارستقراطية أن تنتهكها، وليس مهماً على الإطلاق ما إذا كانت حرية الفرد تلك قد انتهكت بإرادة ملك أو بـ”إرادة الشعب”.

كان ذلك القلق من “استبداد الأغلبية” هو الذي حدا بالليبراليين إلى المناداة بقيود دستورية على سلطات الحكومة، ونظام من الرقابة والرقابة الموازية التي تمنع أي فرع من فروع الحكومة من تجاوز حدوده الدستورية.

4. الدستورية:

الدستورية، من المنظور التاريخي كانت تمثل جهوداً للحد من سلطات الحكام السياسيين. وقد وصفها كوينتن سكينر بأنها “أعظم منافس نظري للاستبداد”. وقد ارتبطت الدستورية ارتباطاً وثيقاً بفكرة حكم القانون، وهي نظرية تجعل الدستور أساس السيادة، أو القانون الأساسي للدولة وليس للملك الحاكم. هذا القانون الأساسي بدوره، كان يستمد سلطته من الشعب. مبدأ الدستورية  يقضي بوجود قانون أعلى يتوجب على الحكّام التقييد به  و إلا سيحاسبون على الإخلال به.
من الضروري الادراك، بأن شخصاً ما يدعو إلى الحاجة إلى دستور، ليس بالضرورة مدافعاً عن  مذهب الدستورية. فقد يكون لدى أكثر الدول استبداداً دستور، أي إطار للحكومة يحدِّد فيه المبادئ الأساسية والإجراءات، ويفوِّض شخصاً ما أو جماعة من الأشخاص، بممارسة السلطة السياسية بالنيابة عنها. وفي الحقيقة، فإن دولاً شمولية معاصرة، قد استخدمت الدساتير في مناسبات عديدة لشرعنة سياساتها الاستبدادية، لذا فليس هنالك بالضرورة علاقة بين الدستور من جهة ومذهب والدستورية من جهة أخرى. والتي تحدد الدور المناسب الذي يجب ان يلعبه الدستور.
بالإضافة إلى ذلك لا يجب الاعتقاد بأن المدافعين عن الدستورية كانوا يطالبون دائماً بدستور مكتوب. على النقيض من ذلك، فإن الدستور المكتوب هو فكرة حديثة مستجدة جاءت مع وضع الأمريكيين لدستورهم في مؤتمر صياغة الدستور عام 1787. قبل ذلك، كانت بريطانيا تُمتدح على نطاق واسع كمثال للحكومة الدستورية، على الرغم من أنها لم تكن تمتلك وثيقة دستورية تضاهي دستور الولايات المتحدة الأمريكية. وبدلا من ذلك، فقد استند الدستور البريطاني إلى خليط من العناصر، مثل القانون العام المتوارث، ووثائق مختلفة مثل (الماجنا كارتا) وأهم من ذلك كله، كما أكده مونتيسكيو، في كتابه: روح القوانين (1748)، هو هيكلة الحكومة البريطانية، وبالأخص فصل السلطات، كما تم بين الملك ومجلسي البرلمان البريطاني.

استند الليبرتاريون الإنجليز الأوائل على تلك المعالم الدستورية لتبرير معارضتهم لاستبداد عائلة ستيوارت الملكية الحاكمة. وقد أدَّى ذلك الصراع إلى ثورتين: الحرب الأهلية في أربعينيات القرن السابع عشر،  التي انتهت بإعدام تشارلز الأول، “وثورة 1688 المجيدة”. كذلك، عندما كان الثوار الفرنسيون يستندون إلى الدستور القديم، لتبرير معارضتهم للعرش الفرنسي، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فقد كانوا يشيرون ليس إلى دستور بعينه، وإنما إلى جملة من الأعراف والعادات والتي انتهكت من قبل هؤلاء الملوك ذوي السلطات المطلقة في ذالك العصر.

هذه الأمثلة تُبين المنطلقات الثورية للدستورية الحديثة، وهي المنطلقات أو المعالم التي أقلقت ناقدي الدستورية أكثر من غيرها. حتى المدافعين عن الاستبداد—الذين كثيراً ما كانوا يرددون المقولة “بأن ما يقرره الأمير له قوة القانون” وأن “الأمير ليس مسؤولاً أمام أي كان سوى الله”—كانوا يُقرون بأن الحاكم ملتزم أدبيا ً باحترام قواعد العدالة، وكذلك المبادئ الأساسية للقانون التقليدي المتوارث. ولكنهم كانوا يصرون أيضاً بأن السيادة المطلقة يجب أن تكون في الحاكم الشرعي (عادة الملك)، الذي يجب أن يملك السلطة النهائية وغير المشروطة فيما يتعلق بالقانون. وقول غير ذلك، والادعاء بأن أصحاب السيادة أنفسهم يمكن أن يكونوا موضع مساءلة (أن يُعزلوا، أو يعاقبوا أو يقتلوا) إذا خالفوا مواد الدستور، كان في رأيهم ليس أقل من دفاع عن الفوضى.

إن السيادة في رأي من يؤمنون بالسيادة المطلقة هي أن تكون أو لا تكون. يجب أن تكون لإنسان ما، الكلمة النهائية فيما يتعلق بالقانون وأية محاولة لوضع تلك السيادة في “دستور”، والذي يكون دائماً معرضاً لتفسيرات مختلفة، هي دعوة دائمة للثورات والفوضى الاجتماعية، حيث تتصارع الفئات المختلفة لفرض وجهات نظرها الذاتية في دستور هش يُفترض أن جذوره مستقاة من المؤسسات القديمة والأعراف والتقاليد.

لقد انطوى هذا الأمر على قلق حقيقي مما أدى إلى الدفع بالكثير من الأمريكيين إلى الموافقة على ضرورة وضع دستور مكتوب، يعطي للحكومة سوى سلطات منصوص عليها ومفوضة من قبل الشعب — وهو تحديد كان يؤملُ منه أن يُقلل من إمكانيات النزاعات العنيفة. هذا القلق أظهر كذلك الحاجة إلى فصل السلطات داخل الحكومة. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تعود إلى كتاب قدماء الإغريق والرومان، فإن الأمريكيين مدينون بدرجة رئيسية إلى النموذج البريطاني في وضع دستورهم المحدد.
أما فصل السلطات، الذي تجسده في الدستور الأمريكي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، فيطلق عليه نظام “المراقبة والموازنة”. هذا الشعار يعكس الخوف من تعطش السلطة (وكان هذا تعبيراً شائعاً في القرن الثامن عشر في الأدب السياسي)، من شأنه بطبيعة الحال أن يدفع بالحكام إلى توسيع سلطاتهم متجاوزين الحدود التي وضعها الدستور.

لذا، وبتقسيم السلطة بين ثلاث مؤسسات مختلفة ضمن الحكومة، وبالسماح لكل منها بمراقبة سلطة المؤسستين الأخريتين، كان يُعتقد بأن ذلك سوف يُحقق التوازن المطلوب في ممارسة السلطة. كان هذا النظام محاولة ذكية لمحاصرة النتائج الضارة المتأتية عن تعطش السلطة، بحيث تنتج التوازن المأمول بينها، علماً بأن كل واحدة من مؤسسات الحكومة سوف تعمل على تقييد سلطة المؤسستين الأخريين، للحفاظ على سلطتها المنصوص عليها بالدستور.

5. حكم القانون:

وهو مبدأ يجوز بمقتضاه ممارسة السلطة الحكومية فقط طبقاً للقوانين المعروفة، والتي تم تبنّيها من خلال إجراءات راسخة. ويُقصد من هذا المبدأ بأن يكون إجراءً وقائياً ضد الأحكام التعسّفية في الحالات الفردية.

6. الحكومة المقيَّدة (الحكومة الصغرى):
وهي نوع من الحكومة تكون فيها ممارسة المهام والسلطات من قبل تلك الحكومة منصوصاً عليها ومحدَّدة ومقيَّدة بالقانون، وعادة في دستور مكتوب. إن هذا المصطلح هو سياسي وأيديولوجي، وليس قانونياً، وقد تم اللجوء إليها كرد على النزعة المتنامية إلى البيروقراطية المفرطة للحكومات والتي تعرف بالحكومات الكبرى ذات الصلاحيات الكبيرة. وكثيراً ما يستخدم المؤيدون لهذا التعريف مصطلح “الحكومة المقيَّدة” للإشارة إلى وضع قيود على قدرة الحكومة في معارضة نموّ القطاع الخاص.
7. المُلكـيـة:
لقد اُستعمل تعبير “الملكية” بمعنيين مختلفين في تاريخ الفلسفة السياسية. ففي المعنى الأقدم والأوسع، كان تعبير الملكية يشير إلى التسلط الأخلاقي – حق الاستخدام والتخلي عن شيء ما – بينما في المعنى الحديث، فإن التعبير عادة ما يشير إلى موضوع هذا الحق أو الشيء الذي يُملك. وكمثال على ذلك: بينما يتحدث ليبرالي معاصر بالقول “هذا القلم هو ملكي”، فإن مثيله في القرن السابع عشر ربما كان يقول: “إنني أحوز على ملكية في هذا القلم”. ففي هذا المعنى الأخير، يمكننا أن نفهم قول جون لوك بأن لكل شخص ملكية في شخصه. وكذلك تعبيرات مشابهة يستخدمها المفكرون الليبرتاريون مثل “الملكية الذاتية” أو “ملكية الذات”. هذا المبدأ الليبرتاري الجوهري يعني أن لكل فرد السلطة الأخلاقية النهائية على جسمه أو جسمها، ومواهبه وعمله وثمار أعماله.

يجب أن لا يغيب عن ذهننا ذلك المعنى القديم ونحن نتأمل في  في قول لوك وغيره من الليبراليين الأوائل، بأن الوظيفة المناسبة للحكومة هي حماية الملكية. وقد أعطى لوك تفسيراً لمعنى “الملكية”، بأنه لاينحصر فقط بالمقتنيات المادية، بل هو الحق الجوهري المتصل “بالحياة، والحرية والملكية.”

لقد كان من الأمور الشائعة في لغة الليبرتاريين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مناشدة الملكية في ضمير الإنسان كأساس أخلاقي للحرية الدينية؛ وفي الحقيقة، كان جيمس ماديسون قد اعترض على القوانين التي تحد من أنشطة العمل يوم السبت،  بوصفها انتهاكاً للملكية في زمنه. بعض نقاد الليبرتارية استغلوا سوء الفهم مغزى الليبرالية للهجوم عليها ، بوصفها نظرية سطحية ومادية، حيث يفترضون بأنها تُركز على الأشياء المادية على حساب القيم العليا.

في إطار الفهم الواسع للمعنى المعطى لكلمة الملكية في العصور السابقة ، يصبح هذا الزعم عديم المحتوى. ففي تأكيدهم على أن الملكية حق غير قابل للتنازل، كان الليبراليون الأوائل يحاولون التركيز على أولوية الإنسان وأخلاقيته واستقلاله، الأمر الذي يعني أن علينا أن نتعامل مع الآخرين تعاملا طوعياً عن طريق الإقناع والرضا، بدلاً من الإكراه.

8. المنهج الفردي ( المنهجية الفردانية):

تعرف بأنها من النظريات المفسرة في العلوم الاجتماعية، والتي يتم بموجبها تفسير مجموع العلاقات وكافة الظواهر الاجتماعية من منظور الفعل البشري الفردي وما ينجم عنه.
وكما أوضح كارل بوبر ذلك بقوله: “يجب أن تُفهَم الظواهر الاجتماعية دائماً كنتيجة للقرارات وأفعال ومواقف الأفراد، ويجب أن لا نكتفي أبداً بالتفسير الذي يتم من منظور مُسميات جماعية مثل (الدول، الأمم، الأجناس.. إلخ).”

عادة ما يقارن المنهج الفردي بما يسمى الشمولية الاجتماعية. وهي النظرية القائلة بأن المؤسسات تتسم بخصائص فردية ناشئة لا يمكن فهمها فهماً كلياً من خلال الاكتفاء بالرجوع فقط إلى الأفراد الذين تتألف منهم تلك المؤسسات.

وفي الإجابة على حجج الشموليين، أوضح دعاة المنهج الفردي بأن طريقتهم لا تستدعي شرح الظواهر الاجتماعية من منظور الأهداف وغيرها من إرادة وتصميم الأفراد. فإذا ما بدا بأن الظواهر الاجتماعية لها خصائص فريدة لا يمكن إرجاعها إلى الأفراد، فذلك لان تلك الأفعال هي نتائج غير مقصودة للفعل البشري – نتائج معقدة ليست ناتجة عن تصور أو تخطيط مسبقين. ومع ذلك، فنحن لا نحتاج إلى مناشدة شيء أبعد من أفعال الأفراد، عندما نشرح تلك النتائج.

في علم الاجتماع، كان ماكس ويبر وجورج زيميل وألفرد شوتز، وغيرهم من دعاة المدرسة التفسيرية للنظرية الاجتماعية، الأطول باعا في الدعوة للمنهج الفردي. وهذه النظرية تستخدم على نطاق واسع من قبل علماء الاقتصاد المحدثين، من أمثال النمساويين فريدرك هايك ، ولودفيغ فون ميزس ؛ و من أعضاء مدرسة شيكاغو أمثال فرانك نايت وميلتون فريدمان ؛ ومن رواد نظرية الخيار العام مثل جيمس بيوكانن . كما دافع عن المنهج الفردي كارل بوبر وأتباعه، وفي مقدمتهم جيه. دبليو. إن. واتكنز.

9. التسامح الديني والحرية الدينية:

لقد أحتلت حرية الدين—أو “حرية المعتقد” كما كانت تُسمى في كثير من الاحيان. و هي تحتل مركز الصدارة في التصنيف الليبرالي للحريات. ووصف جيمس ماديسون هذه الحرية بقوله : “هذا الحق الطبيعي وغير القابل للتصرف هو أكثر الحقوق قدسية”—وهو شعور عبَّر عن مثله جون ستوارت ميل ، بعد عقود لاحقة عندما قال إن حرية المعتقد هي ” أسمى عنصر من عناصر العقيدة الليبرالية.”
وعلى الرغم من أن دعاة الحرية الدينية من الليبراليين، كانوا يُقدِّرون جهود جون لوك وغيره من أوائل المدافعين عن التسامح الديني، فقد كان رد فعلهم شديداً إزاء الحرية الجزئية التي تضمنها مثل ذلك التسامح (لوك، على سبيل المثال، استثنى الكاثوليك والملحدين من مشروعه)؛ وقد رفضوا فكرة أن للدولة الحق في أن تمنح أو تحجب التسامح على أساس الانتهازية السياسية. إننا نرى ذلك في ملاحظات ميرابو، خلال اجتماع للجمعية الوطنية الفرنسية (التي أقرَّت “إعلان حقوق الإنسان” في عام 1789):

“إنني لن أعظ حول التسامح. إن الحرية القصوى  وغير المحدودة للدين، هي في نظري حق له من القداسة ما يجعل كلمة ’التسامح‘  و التي يفترض أن تُعبِّر عنها، تبدو لي وكأنها توحي بالاستبداد. وفي الحقيقة، فإن وجود أية سلطة تملك القوة على منح التسامح، هي تعدٍّ على حرية التفكير، تحديداً بسبب أنها تتسامح، وبالتالي فإنها تملك السلطة لحجب التسامح.”
وفي قول مماثل في كتابه: حقوق الإنسان، كتب توماس باين يقول “التسامح ليس نقيضَ عدم التسامح، بل إنه شكلٌ مزوَّر ٌ من أشكاله. فكلاهما استبداديان. فأحدهما يعطي لنفسه حق حجب حرية الضمير، والآخر حق منحها.”

وبالإضافة إلى الحجة الأخلاقية بأن حرية الضمير هي حق غير قابل للتصرف، فقد قدم المدافعون عن الحرية الدينية، عدداً من الحجج العملية دفاعاً عنها. وأهم تلك الحجج تلك التي أشارت إلى القلق من أن يؤدي تعدد المعتقدات الدينية وممارساتها في الأمة الواحدة، إلى إذكاء النزاعات المدنية، حيث أن ممارسي كل دين من تلك الأديان سوف يسعون إلى تحقيق السيطرة السياسية على منافسيهم.

وقد وجد الليبراليون الحل لهذه المعضلة في علمانية السلطة السياسية (أو فصل الكنيسة (الدين) عن الدولة. و هو المبدأ الذي كان متعارفاً عليه في الولايات المتحدة). فإذا ما حُرمت جميع الأديان من السلطة القهرية، فإنها لن تكون قادرة على السيطرة أو على اضطهاد منافسيها. فالإقناع الطوعي يصبح وقتها الوسيلة الوحيدة لكسب المؤمنين. لقد كان حصول الحكومات على السلطة القهرية هو السبب الرئيسي في نشوب الحروب الكثيرة على امتداد التاريخ، ذلك أنه دفع بالأقليات، خشية تعرضهم للاضطهاد، إلى حمل السلاح دفاعاً عن النفس. بالاضافة الى أن حيازة السلطة تؤدي إلى إفساد المؤمنين المتدينين، بنفس قدر إفسادها لغيرهم، وبالتالي فقد قال الليبراليون بأن الحرية تخدم مصلحة كل دين حقيقي.

10. الرأسمالية (النظام الرأسمالي):

تعني الرأسمالية، في العرض الشائع، نظاما اقتصاديا تكون فيه كلّ أو معظم وسائل الإنتاج مملوكة ومدارة بشكل شخصي، ويتم فيه تحديد الاستثمار والإنتاج وتحديد أسعار البضائع (السلع والخدمات) بناءً على تأثير العرض والطلب في سوقٍ ما، بدلاً من أن يكون ذلك بواسطة الدولة. ويقوم مالكو وسائل الإنتاج بوجه عام بتشغيلها لتحقيق الربح النقدي، متّبعين دلالات الربح والخسارة لتوزيع الموارد النادرة بكفاءة.

11. السوق الحرّة:

وهو نظام مثالي للسوق، حيث تكون فيه جميع القرارات الاقتصادية والتصرفات من قبل الأفراد فيما يتعلق بتحويل الأموال، والسلع، والخدمات، مجرّدة من الإكراه أو الإجبار. بصيغة أخرى، فإن اقتصاد السوق الحرّةهو اقتصاد تكون فيه السوق حرّة نسبياً، كما هو الحال في اقتصاد تشرف عليه حكومة تمارس سياسة عدم التدخل بدلاً من سياسة اقتصادية مختلطة. إن المصطلح الأكثر شيوعاً ضمن مفهوم الاقتصاد هو ببساطة “السوق”، أو “آلية السوق”، حيث يعني توزيع الإنتاج من خلال العرض والطلب.

12. الكتلكتية :

الكتلكتية تعني “علم التبادل”. وقد استخدم هذا التعبير، أول ما استخدم من قبل ريتشارد واتلي في عام 1831. ففي محاضراته التمهيدية حول الاقتصاد السياسي، أعرب واتلي عن عدم رضاه لاستخدام تعبير الاقتصاد السياسي للتعبير عن علم الاقتصاد، وقد أوصى باستخدام تعبير “كتلكتية” بدلاً من ذلك. فعلم التبادل هو فريد من حيث اختصاصه بالإنسان، وأنه في هذا الجانب من فعل الإنسان، ما تنطوي عليه دراسة الاقتصاد السياسي.

في تقديمه لكلمة “كتلكتية”، أكد واتلي على أن الاقتصاد ليس معنيا بالأشياء التي يتم تبادلها، بل بفعل التبادل نفسه. هذا التركيز على الفعل البشري بدلاً من التركيز على “الثروة”، الموضوع الجوهري في الاقتصاد، قاد واتلي إلى الدفاع عن النظرية الذاتية للقيمة وليس النظرية الموضوعية للقيمة، وقد حذا حذو  ناساو سينيور، وغيره من المنشقين عن منهج ريكاردو التقليدي السائد في زمنه.

تعبير الكتلكتية لم يجد من يتبناه في تلك الفترة، على الرغم من دفاع  واتلي عنه. غير أن هذا التعبير سيلقى نجاحا على يد لودفيغ فون ميزيس ، الذي وضع تحت عنوان “آفاق الكتلكتية وطرقها” فصلاً مهماً في كتابه: الفعل البشري. وقد وصف ميزيس فحوى الموضوع الذي يبحثه علماء الاقتصاد، بأنه السعي لشرح وبيان الظواهر المختلفة للسوق والتي تتأتى عن فعل التبادل. ودعا إلى وضع نظرية شاملة للفعل البشري وأطلق عليها اسم “براكسيولوجي”. نظرية القيمة المجردة، لا يمكن فهمها إلا من خلال نظرية أوسع حول الفعل البشري — نظرية عالمية عامة تطبق على جميع الأفعال، وليس فقط مجرد تلك الأفعال التي توصف تقليدياً بأنها “اقتصادية”. وعلى الرغم من أننا يمكن أن نستخدم تعبير الكتلكتية لتحديد جوهر محتوى الاقتصاد، يتوجب أن يعتبر ذلك فرعاً من فروع “البراكسيولوجي”.

13. مدرسة شيكاغو:

هي إحدى “مدارس” الاقتصاد الأمريكية الأكثر شهرة. إن مصطلح “مدرسة شيكاغو” مرتبط بصنف خاص من الاقتصاد الذي يتقيّد تماماً بنظرية الأسعار التقليدية الجديدة في تحليلها الاقتصادي وتحرُّر السوق من الكثير من العمل المتعلق بسياستها وبمنهجية تمقت نسبياً المبالغة في الشكليات الرياضية (الحسابية) وترغب في تجاهل الجدل المنطقي المتعلق بالتوازن العام الحذر لصالح تحليل التوازن الجزئي الموجه بالنتائج بشكل أكبر. وفي السنوات الأخيرة، اقترنت “مدرسة شيكاغو” بتطبيق الجدل المنطقي الاقتصادي على حقول أخرى، كالعلوم السياسية، والنظرية القانونية، والتاريخ، وعلم الاجتماع.

لقد كان لمدرسة شيكاغو جوانب متعدّدة ذات مميّزات مختلفة تماماً. وبالرغم من ذلك، يبدو أن العامل الثابت الرئيسي يتمثل في أنها احتفظت دائماً بمكانة فريدة ومتميّزة ومؤثّرة في حقل الاقتصاد. وفي العصر الحديث، وتحت مظلّة “مدرسة شيكاغو”، فإننا نستطيع أن نحصي عدّة مدارس فكرية أخرى: فعلى سبيل المثال، النظرية القائلة بأن اقتصاد بلدٍ ما يتحدّد بشكل رئيسي بكميّة النقود أو الأموال المتوفرة (السياسة النقدية الاقتصادية) في عقد الستينيّات من القرن الماضي، والاقتصاد الشامل التقليدي الجديد والمتعلق بدورة الأعمال الحقيقيّة منذ عقد السبعينيّات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وفي وقت أقرب،المؤسّساتية الجديدة ، والاقتصاد التاريخي الجديد، والاقتصاد القانوني، وغيرها.
لقد حصلت جامعة شيكاغو على حصة الأسد من جوائز نوبل في الاقتصاد: ميلتون فريدمان ، وثيودور شولتز، وجورج ستيجلر، ورونالد كوز ، وجاري بيكر، وميرتون ميلر، وروبرت فوغل، وروبرت لوكاس، وجيمس هيكمان، كانوا جميعاً في كلية شيكاغو عندما حصلوا على جوائزهم. وإذا كنّا سنضيف رجال الاقتصاد الذين تدرّبوا في كلية شيكاغو، فإن قائمة الحاصلين على جوائز نوبل سوف تتوسّع لتشمل هيبرت سايمون، وجيمس بيوكانن ، وهاري ماركوفيتس، وروبرت موندل ، ومايرون سكولز.
14. المدرسة النمساوية:
وهي مدرسة للفكر الاقتصادي ترفض الاعتماد الحصري على الأساليب المستخدمة في العلوم الطبيعيّة لدراسة عمل الإنسان، وتقوم بدلاً من ذلك ببناء تكوينها الخارجي للاقتصاد على علاقات تتم عن طريق المنطق. إن أشهر المناصرين لها هم كارل مينجر، ويوجين فون بوم- بافيرك، وفريدرك فون فايزر، ولودفيغ فون ميزيس، وفريدرك فون هايك، وإسرائيل كيرزنر. لقد كان للمدرسة النمساوية نفوذاً واسعاً بسبب تأكيدها على الطور الإبداعي للإنتاجية الاقتصادية و في تشكيكها بأساس النظرية السلوكية التي تشكّل أساس الاقتصاد التقليدي الجديد. وترتبط المدرسة النمساوية بوجه عام بالليبراليين الكلاسيكيين أو الليبرتاريين في أفكارهم حول النظام الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي.

15 . الاقتصاد الدستوري:

ما هي التدابير التي يمكن أن نتخذها حيال العديد من المواقف اليومية ؟  أية نواحي من حياتنا الاجتماعية يتوجب التخلي عنها؟ أين هي “قوانين النظام الاجتماعي”  و الإجراءات المؤسسية التي تحكم تفاعلاتنا والتي تقودنا إلى التفاعل سلبياً تجاه بعضنا بعضاً؟ ما هي القوى التي تدفع باتجاه التوافق، والتي يمكن تعبئتها؟ ما هي القوانين والمؤسسات التي يجب علينا الكفاح لأجلها؟
هذه الأسئلة تمثل مجال المبحث الذي نسميه “الاقتصاد الدستوري” والذي يقع في صلب اهتمامه الأنظمة التي تحكم النظام الاقتصادي – السياسي. ومن رواد هذا الحقل من التحليل عالم نوبل للاقتصادجيمس بيوكانن، والزميل الأقدم بمعهد كيتو في واشنطن العاصمة.

هذه الأسئلة المهمة — حتى وإن تمَّ  تجاهلها على نطاق واسع في الأبحاث الحديثة— فأنها لاتطرح في فراغ فكري تحليلي تام. لقد أشغلت هذه الاسئلة في الواقع عقول بعض أعظم المفكرين في التراث الغربي.

وبشكل محدد، يقدم الاقتصاد الدستوري تشخيصاً لأنماط مختلفة من التفاعلات، والطرق التي تكون بموجبها القوانين والأنظمة والمؤسسات ذات علاقة بطبيعة التفاعلات التي تسود. وحتى تكون فاعلة، تحتاج الأنظمة إلى الاستقرار. ذلك أنها إذ ما كانت  خاضعة لتغييرات مستمرة، فإن المعلومات التي تعطيها تصبح لا قيمة لها.

إلا أن هذه النتيجة تُشير إلى أن هنالك ميل طبيعي نحو المحافظة في المجال الدستوري. مجرد إظهار أن الحالة (أ) ستكون أفضل من الوضع القائم، بمجرد أن تتحقق حالة (أ)، ليس كافياً للدليل على أن الانتقال من الوضع القائم له ما يبرره.

إن الاعتراف بهذه الحقيقة يكشف النقاب عن تمييز بين “التصميم الدستوري” و”الإصلاح الدستوري”. في التصميم الدستوري حيث لا تكون هنالك أنظمة فعالة قائمة مسبقاً، كل ما هو مطلوب هو الاختيار بين مجموعة أنظمة يؤدي كل منها الى مجموعة من النتائج. والنظام الذي يؤدي إلى نتائج أفضل هو النظام المفضل. ولكن عندما يتعلق الأمر بتغيير نظام قائم، كما هي الحالة في الإصلاح الدستوري، فإن النظام الذي يحقق أفضل مجموعة من النتائج، ليس بالضرورة الأفضل.

النقاش هنا يعطي بعض القوة لدعاة التطور التدريجي الاجتماعي الذين يكرهون حماسة من يدعون الى خلق الدساتير. فإنه من الأفضل للمجتمعات عدم محاولة التغيير حتى يتوافر لها أنظمة مستقرة ومقبولة. إلا أن تبني هذه المقولة لايعني بالضرورة القول بأن الإصلاح المتعمد للأنظمة القائمة لن يكون مرغوباً فيه في جميع الأحوال.

إنما تنبهنا هذه المقولة فقط إلى الحاجة  للقواعد المتعلقة بالإجراءات التي يمكن بواسطتها تغيير الأنظمة القائمة، وبالأخص للتأكد بأن تغيير الأنظمة لا يجب أن يتم دون الأخذ بالاعتبار بثمن المراحل الانتقالية.

قد تكون الحاجة إلى نظام واضحة بشكل مباشر؛ إذ لا يستطيع المرء أن يتصور سيناريوهات بدون وجود أنظمة. وفيما يتعلق بالتفاعل الاقتصادي بين الأفراد، وهو الأكثر أهمية، فإن الأنظمة التي تحكم سلوك الأفراد كثيراً ما يتم تجاهلها.

حتى علماء الاقتصاد أنفسهم كانوا مهملين بشكل فاضح في هذا المجال. إن دراسات تحليلية معقدة حول أعمال السوق تتم في كثير من المناسبات بدون أدنى إشارة إلى الأنظمة التي يتعامل الأفراد في الأسواق ضمن إطارها. ولكن آدم سميث لم يكن واحداً من أولئك المتجاهلين؛ فقد أكّد على أهمية “القوانين والمؤسسات”، في النظام الاقتصادي.

إن التباعد والتخلي عن تأكيد سميث والعلماء الكلاسيكيين على النظام يظهر أكثر ما يظهر في تحليلات “فشل الأسواق” في اقتصاديات الرفاه، والتي تطورت في العقود الوسيطة من القرن الماضي، حيث تم الادعاء بأن الأسواق سوف تفشل عندما تقارن وتقاس بالأنماط المنمقة المستقاة من تمارين علماء الاقتصاد في المعادلات الرياضية. لقد تمت التحليلات وكأن القيود المؤسسية لا علاقة لها إطلاقاً بالطريقة التي يتفاعل فيها الأفراد ضمن هياكل السوق.

مثل هذا التحيُّز، المتمثل في النظر إلى النتائج بدلاً من الأنظمة التي أوصلت إلى تلك النتائج، كان سبباً في خلق حالة من الارتباك العميق. فإصلاح النتائج يتأتى من خلال إصلاح الأنظمة، وليس من خلال التلاعب بالنتائج مباشرة. كما أن الاندفاع المعتاد لعلماء اقتصاد الرفاه كان يأخذ شكل تأييد الحكومة أو التدخل الجمعي في الأسواق.

هنالك طرق عدة للنظر إلى العمليات السياسية بنفس المعايير التي ننظر بها إلى الأسواق. الأولى والأكثر أهمية هنا هي النظر إلى العملية السياسية كنظام للتفاعل بين الأفراد والذي تنتج عنه النتائج الموازية. وجهة النظر هذه متوافقة مع عدد من الدوافع التي يمكن أن نعزوها إلى الأفراد،. أما الدوافع والمقاييس، فيمكن اختيارها من جعبة أدوات عالم الاقتصاد.

ما هو مهم هنا، مع ذلك، ليس الدافع وراء العوامل، ولا المعايير التقديرية، إنما الاستعداد لفحص العملية السياسية بالمعايير العامة ذاتها التي نقيس بها الأسواق.إن التفاعلات الموضوعية بين الافراد، وفق مجموعة من النظم (المؤسسات السياسية) تؤدي في النهاية إلى فرز نتائج محددة ينتج عنها التوازن. فإذا كانت قدرات وأهداف الأفراد معروفة، فإن الطريقة الوحيدة لتغيير نمط النتائج يكمن في تغير الأنظمة. وتغيير الأنظمة بالمقابل سوف يُغيّر النتائج التي تنبثق عن أي مجتمع من الأفراد.

يجب أن ننبه القارئ هنا إلى الدقة الضرورية في التمييز بين الأنظمة والنتائج في الإطار السياسي. في أحد المستويات، فإن أنظمة اللعبة السياسية واضحة بشكل كافٍ: حكم الأغلبية؛ الانتخابات الدورية؛ القيود المختلفة على مقدرة الحكومة على المبادرة ؛ وجوب تقديم حساب متكامل حول نفقات الأموال العامة؛ التكوين الجغرافي للترتيبات الانتخابية، بما في ذلك إمكانية تقسيم الصلاحيات السياسية نفسها وفق الأنظمة اللامركزية، إلخ. ومع ذلك، فإن كثيراً من تلك المعالم نفسها تتكون من العملية السياسية. على سبيل المثال، التفاهمات فيما يتعلق بالمجال المناسب للنشاط العام، والتي لها قيمة دستورية مهمة، تتم إلى حد كبير بقرارات سياسية متواصلة. ومن هذا المنطلق، فإن التمييز بين الأنظمة والنتائج يميل إلى الغموض في الإطار السياسي.

يضاف إلى ذلك أنه ما دامت الأنظمة والقرارات ضمن النظم نفسها تنبثق عن عمليات سياسية متشابهة، فإن أهمية التمييز بينهما تبدو مبالغاً فيها. إنه ففي الحالات التي لا يكون فيها التمييز واضحاً ، يمكن أن تتعرض الأنظمة الأساسية في اللعبة السياسية إلى الخطر—ولهذا السبب علينا المحافظة على التمييز بين الأنظمة والنتائج ضمن الإطار السياسي.

الحجة الأولى لدراسة الأنظمة في مجال الاقتصاد الدستوري تعتمد على الاعتراف بالدور الذي تقوم به الأنظمة في فرز نتائج متوازية أو نمط من النتائج لمجوعة من المشاركين الاجتماعيين يتمتعون بقدرات وأهداف. وكما ذكرنا أعلاه، فإن التفاعل الذي يجري بين الأفراد أنفسهم ضمن أي مجتمع من المجتمعات قد يُولِّدُ العديد من النتائج الاجتماعية، رهناً بالأحكام التي تكون مرعية ومطبقة. ولكن فقط تلك النتائج الاجتماعية التي تكون مقبولة وذات جدوى هي تلك التي ينتج عنها توازن ضمن ترتيبات مؤسسية، ولهذا السبب، فإن من التضليل بحث جميع النتائج الاجتماعية التي يمكن تصورها واختيار أحدها كمثال لما هو أنسب في تقييم مستقل للمعايير. فالترتيبات المؤسسية تقيّد مجموعة النتائج ذات الجدوى بشكل لا يقل أهمية عن القيود الفيزيائية الأساسية التي تحدد آفاق المنتجات المرغوبة.

بيد أن السؤال الدستوري الطبيعي هو: كيف لنا أن نتأكد بأن الاختيار “الأفضل” سوف يتم عبر العملية السياسية؟ سوف يكون من الأجدى، بكل تأكيد، أن نحدد مجموعات بديلة من الأنظمة السياسية، وأن نتفحص التوزيعات التي تتأتى عنها. فإذا لم يتبين بأن أياً منها تتناسب مع “الأفضل”، عندها يجب أن نصل إلى قناعة بأن “الأفضل” ليس ممكناً.

إن أي مروِّج للدستور يُصر على دراسة الأنظمة لأنه يسعى إلى ضم جميع القيود ذات الصلة ضمن تحليلاته. ولكن، أن تُترَك القيود المؤسسية جانباً ليس أقل خطأً، من الناحية التحليلية، من تجاهل القيود على القدرات الإنتاجية لعناصر الاقتصاد، أو إهمال القيود الناتجة عن شح أساسي في الموارد.

الحجة الثانية لدراسة الأنظمة مستقاة من الطبيعة ولها أبعاد مختلفة. فالاختيار بين الأنظمة، كونها مطبقة على امتداد سلسلة طويلة من الأفعال حيث تكون فيها حظوظ كل لاعب غير مؤكدة، ينطوي على بعض الخصائص الخاصة التي تكون غائبة من إطار الاختيار ضمن الأنظمة التي يكون فيها موقف كل لاعب من اللاعبين محدداً بشكل دقيق. وبشكل محدد، هنالك نزوع طبيعي لتعارض المصالح بين اللاعبين، ولكن ذلك يميل إلى الاعتدال الكبير عند اختيار الأنظمة، وبالتالي توسيع آفاق الاتفاق فيما يتعلق بالأحكام والأنظمة بينهم.

مع ذلك، هناك بُعد آخر للحجة المعيارية والداعية إلى الاهتمام بالأنظمة بدلاً من النتائج. والمتمثل بادعاء أن المرء لا يستطيع أن يُقيِّم النتائج إلا إذا توافرت المعلومات حول كيفية الوصول إليها. مثل هذا الادعاء يمكن تقديمه على أساس أن العملية هي في جذورها ذات علاقة معيارية، أو على أساس أن المعلومات في العملية بدورها تقدم معلومات حول النتائج، والتي بدونها يكون صعباً أو مستحيلاً القيام بأي تقييم.

© معهد كيتو، منبر الحرية.

القاموس, 2.3 out of 5 based on 4 ratings