1.الليبرالية الكلاسيكية: وهي فلسفة سياسية واقتصادية، تأسّست أصلاً على التقليد التنويري الذي يحاول الإحاطة بقيود السلطة السياسية وتعريف ومساندة الحرية الشخصية والمُلكيّة الخاصة.
على الرغم من أن
مصباح الحرية تأمل تجنب منحها هوية سياسية، فإن الأمر يتعذر اجتنابه، وبالتالي فإننا نفضل عموماً بأن ندعى "ليبراليون كلاسيكيون".
إن الليبرالية الكلاسيكية فلسفة تروج لمجتمع مفتوح قائم على التسامح، والتجارة الحرة، وحكومة يقيد صلاحيتها الدستور، واحترام الفرد. وتستمد أفكارها من شعوب وثقافات وأديان مختلفة. بالنسبة لليبرالي الكلاسيكي، يكمن دور الحكومة في المجتمع في حماية حرية المواطن من الإكراه التعسفي وغير العادل.
يرى الليبراليون الكلاسيكيون أن المجتمع المدني يكون في أقوى حالاته عندما يكون حراً من إكراه الحكومة وتحكمها. العائلات ودور الصلاة والأحياء والجاليات والمدارس كلها تنجح وتزدهر عندما تتميز بعلاقات سلمية وطوعية. وتبوء كل المحاولات لبناء جماعات أو مجتمعات بطريقة اصطناعية بالفشل لأنها تفتفر إلى الطبيعة التلقائية والبسيطة الذي يكتسب منها أي مجتمع قوته.
تعتمد المجتمعات الحرة أيضاً على الحرية السياسية والاقتصادية على حد سواء. إذ لا يكفي الترويج لمجتمع ديمقراطي حين يكون حق المُلكيّة وحق البدء في مشروع تجاري مُنتَهَكاً في صورة كبيرة أو غير موجود على الإطلاق. إن الحريات السياسية والاقتصادية مرتبطة ولا يمكن لإحداهما الاستمرار من دون الأخرى.
تحترم الليبرالية الكلاسيكية التنوع الديني بصورة كبيرة. فليس هناك سبب يمنع المسلمين واليهود والمسيحيين من التعايش معاً في سلام. ولكن كثيراً ما يكون سبب نزاعاتهم تزايد تدخل الحكومة السياسي والذي يحبط ممارسات إنسانية تكون في العادة اجتماعية. ولكن ليس من الضروري أن يحدث ذلك.
ولا يعني هذا أن لا مكان للحكومة—
فنحن ندرك أن الحكومة تعمل عملاً مفيداً في حمايتها للنظام والعدالة. ولكن بسبب احتكارها الإجبار على الطاعة، على الحكومة أن تكون دوماً مُقيَّدة ومُراقَبة.
ومن أجل هذه الغاية، يدعم الليبراليون الكلاسيكيون حكم القانون (والذي يحد من الاستخدام التعسفي من قبل المسؤولين الحكوميين للسلطة) والسلطات المشكَّلة دستورياً (والتي تحدد في صورة قاطعة الأعمال التي يمكن للحكومة أن تقوم بها).
هذا هو ما نؤمن به، أن الليبرالية الكلاسيكية فلسفة مناسبة لمجتمع الشرق الأوسط.
2. الليبرتارية (مذهب مؤيدي مبادئ الحرية): وهي فلسفة فردانية تحرّرية تؤيّد الاحترام التام لحقوق الفرد والقيود على سلطة الدولة. إنها تؤمن بأنه يجب أن يكون لجميع الافراد الحريّة لفعل ما يريدون بأنفسهم وممتلكاتهم، طالما أن هذه الأفعال لا تنتهك حرمة نفس حريّة الآخرين. بناءً على ذلك، فإن الحريّة متساوية بين الأفراد دون أن يكون لأيّ فرد حريّة تزيد عن أيّ شخص آخر. ويعتقد الليبرتاريون أنه لا يجوز لأي شخص (أو حكومة) ممارسة الإكراه أو القسر. ويصف الليبرتاريون "الإكراه" بتحديده بأنه استخدام القوّة البدنية، والتهديد باستخدامها، أو الخداع (الاحتيال) الذي يغيّر، أو يُقصد منه بأن يغيّر، الطريقة التي قد يستخدم الأفراد ممتلكاتهم بموجبها (بما في ذلك جسدهم) إذا لم تكن تلك العناصر متوفّرة. إن الإكراه مسموح به أخلاقياً فقط عند استخدامه للدفاع ضد البدء في عملية إكراه. ويعتقد الليبرتاريون بوجه عام أنه يجب على الحكومات أن تتمسّك بنفس المعايير الأخلاقية كالأفراد. لذلك، فإنهم يعارضون معظم أو كلّ الممارسات الحكومية، حتّى ولو كانت مؤيَّدة بأغلبية ديمقراطية. كما ويعتقدون أنه إذا كان الأفراد لا يمارسون الإكراه ضد الآخرين، فإنه يتعيّن على الحكومة أن تتركهم في طمأنينة وسلامة. وتمتد هذه المعارضة للإكراه أيضاً إلى مجال الاقتصاد. إنهم يعارضون تدخّل الحكومة في الاقتصاد (عدا عن منع المؤسسات التجارية أو الصناعية من الاشتراك في الإكراه أو الاحتيال)؛ وفي حين أن البعض يعارضون كافة أنواع الضرائب، فإن معظم الليبرتاريين يؤيدون فقط ما يكفي من الضرائب التي يعتقدون بأنها ضرورية لحماية حريّة الفرد. إن معظمهم يؤيدون وجود حكومة، إلا أنهم يدعون إلى تخفيض حجم ونطاق الحكومة إلى المهام الأساسية لحماية الحريّة الفردية، والملكية الخاصة، والسوق الحرّة.
3. الديمقراطية: كلمة الديمقراطية مشتقة من الكلمة اليونانية
"ديموس" (الشعب) و
"كراتوس" أي (الحُكم). كان حكماء اليونان الأقدمون يقارنون هذا
الحكم من قبل الناس (أو الأكثرية)
بالحكم الملكي (حكم الفرد)، و
الأرستقراطية (حكم الأرشد) و
الأوليغاركية (حكم القلة).
أفلاطون وأرسطو قدما الاعتراضات الأساسية على نظام حكم ديمقراطي صرف، وقد تكرر اعتراضهما على امتداد قرون عديدة لاحقة. الحكم بالنسبة لأفلاطون هو عملية معقدة صعبة، عملية تتطلب درجة عالية من المعرفة والتخصص والفضيلة—وهي صفات نادرة غير موجودة بين عامة الناس. فإذا أُسندت السلطة السياسية إلى الجماهير، فإنها سوف تستخدمها لتحقيق مصالحها الأنانية قصيرة النظر، وسوف تكون النتيجة الاضطراب الاجتماعي والنزاع. وقد اتفق أفلاطون وأرسطو في الرأي بأن الديمقراطية الصرفة، من شأنها أن تنحدر إلى حكم الرعاع، وأن الديماجوجيين سوف يستغلون الفوضى الاجتماعية لكسب سلطات استبدادية. لذا، وعندما تنبأ إدموند بيرك في كتابه:
تأملات حول الثورة في فرنسا (1790) بأن دكتاتوراً عسكرياً سوف يبزغ من الفوضى الديمقراطية للثورة الفرنسية (كما فعل نابليون في النهاية)، فقد كان بيرك يسحب من رصيد من الحكمة السياسية التي يتجاوز عمرها ألفي سنة.
وعلى الرغم من أنه كثيراً ما يشار إلى الولايات المتحدة كـ"ديمقراطية"، فإن كثيراً من مؤسسيها مثل جيمس ماديسون—"الأب" للدستور الأمريكي—أكد أن الولايات المتحدة
جمهورية وليست ديمقراطية. هذا يدلل على حقيقة أن الديمقراطية كانت كلمة غير محببة، حتى في أواخر القرن الثامن عشر. وحتى نفهم هذا الجفاء، علينا أن نفهم بأنه عندما تحدث الفلاسفة الأقدمون عن الديمقراطية، فقد كانوا بالغالب يعنون بها الديمقراطية النقية، من النوع الذي كان موجوداً في اليونان القديمة. وكما أوضح ماديسون في
الأوراق الفيدرالية، فإن الديمقراطية النقية هي "مجتمع مُكوَّنٌ من عدد صغير من المواطنين الذين يجتمعون ويديرون شؤون البلاد شخصياً." وقد أعطى ماديسون أسباباً عديدة لماذا أن هذا النوع من الحكومة، التي تفتقر إلى أية ضمانة لحقوق الأفراد، من شأنها أن تؤدي حتماً إلى اضطهاد الأقليات. لهذا السبب فإنه أوصى بنظام جمهوري للحكم، والذي يقوم على أساس تفويض السلطات "إلى عدد قليل من المواطنين ينتخبون من قبل الآخرين."
إذا كنا نعني بـ"الديمقراطية" نظام حكم تكون السيادة النهائية فيه "للشعب"، عندها فإن نظام الحكم الجمهوري يستحق بشكل واضح أن يتأهل كبلد ديمقراطي، وفي الحقيقة، فإننا عندما نتحدث عن الديمقراطية في يومنا هذا، فإننا لا نعني الديمقراطية الصرفة التي قامت في عهود سابقة، بل "الديمقراطية التمثيلية" التي قامت في الأزمان الأخيرة.
ومع أن الليبراليين الكلاسيكيين بشكل عام، أيدوا الديمقراطية التمثيلية كأفضل نظام للحكم، فإن كثيراً منهم ظلوا قلقين من المخاطر التي قد تفرزها "الاستبدادية الديمقراطية". وكما أوضح هيربرت سبنسر، فإن الاهتمام الأساسي "لليبراليين الحقيقيين"، كان
مدى السلطة السياسية، وليس
شكل الحكم الذي مارس تلك السلطة. يمكن للديمقراطية أن تنتهك حقوق الإنسان تماماً كما يمكن للمَلَكية أو الارستقراطية أن تنتهكها، وليس مهماً على الإطلاق ما إذا كانت حرية الفرد تلك قد انتزعت بإرادة ملك أو بـ"إرادة الشعب".
كان ذلك القلق من "استبداد الأغلبية" هو الذي حدا بالليبراليين إلى المناداة بقيود دستورية على سلطات الحكومة، ونظام من الرقابة والرقابة الموازية التي تمنع أي فرع من فروع الحكومة من تجاوز حدوده الدستورية.
4. الدستورية: الدستورية، من المنظور التاريخي كانت تمثل جهوداً للحد من سلطات الحكام السياسيين. وقد وصفها كوينتن سكينر بأنها "أعظم منافس نظري للاستبداد". وقد ارتبطت الدستورية ارتباطاً وثيقاً بفكرة حكم القانون، وهي نظرية وضعت السيادة في الدستور، أو القانون الأساسي للدولة وليس في الملك الحاكم. هذا القانون الأساسي بدوره، كان يستمد سلطته من الشعب، وفق ما كان عليه الاعتقاد السائد. الفكرة الأساسية وراء مبدأ الدستورية هو أنه يوجد "قانون أعلى"—مستوى من السلوك السياسي يتوجب على الحكّام التقيد به وإلا يحاسبون على الإخلال به.
من المهم أن نفهم، بأن شخصاً ما يدعو إلى الحاجة إلى دستور، ليس بالضرورة مدافعاً عن الدستورية. حتى أكثر الدول استبداداً قد يكون لها دستور، بشكل من الأشكال، أي إطار للحكومة يحدِّد فيه المبادئ الأساسية والإجراءات، ويفوِّض شخصاً ما أو جماعة من الأشخاص، بممارسة سلطة سياسية بالنيابة عنها. وفي الحقيقة، فإن دولاً شمولية معاصرة، قد استخدمت الدساتير في مناسبات عديدة لشرعنة سياساتها الاستبدادية، لذا فليس هنالك بالضرورة علاقة بين الدستور من جهة والدستورية من جهة أخرى، ألا وهي نظرية محددة فيما يتعلق بالوظيفة المناسبة لعمل الدستور.
يضاف إلى ذلك، أنه لا يجب أن نفترض بأن المدافعين عن الدستورية كانوا يطالبون دائماً بدستور مكتوب. وعلى النقيض من ذلك، فإن الدستور المكتوب هو فكرة حديثة مستجدة جاءت مع وضع الأمريكيين لدستورهم في مؤتمر صياغة الدستور عام 1787. قبل ذلك، كانت بريطانيا تُمتدح على نطاق واسع كمثال للحكومة الدستورية، على الرغم من أنها لم تكن تمتلك وثيقة دستورية تضاهي دستور الولايات المتحدة الأمريكية. وبدلا من ذلك، فقد استند الدستور البريطاني إلى خليط من العناصر، مثل القانون العام المتوارث، ووثائق مختلفة مثل (الماجنا كارتا) وأهم من ذلك كله كما في التحليل النافذ الذي وضعه مونتيسكيو، في كتابه:
روح القوانين (1748)، لهيكلة الحكومة البريطانية، وبالأخص فصل السلطات، كما تبدو بين الملك ومجلسي البرلمان البريطاني.
الليبرتاريون الإنجليز الأوائل استندوا على تلك المعالم الدستورية لتبرير معارضتهم لاستبداد عائلة ستيوارت الملكية الحاكمة. وقد أدَّى ذلك الصراع إلى ثورتين: الحروب الأهلية في عقد 1640، الذي انتهى بإعدام تشارلز الأول، "وثورة 1688 المجيدة". كذلك، عندما كان الثوار الفرنسيون يستندون إلى الدستور القديم، لتبرير معارضتهم للعرش الفرنسي، خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فقد كانوا يشيرون ليس إلى دستور بعينه، وإنما إلى عادات وأسبقيات مختلفة التي انتهكها الملوك المطلقو السلطة في أزمنتهم.
يصرون أيضاً بأن السيادة المطلقة يجب أن تكون في الحاكم الشرعي (عادة ما كان يكون ملكاً)، الذي يجب أن يملك السلطة النهائية وغير المشروطة فيما يتعلق بالقانون. وقول غير ذلك، والادعاء بأن أصحاب السيادة أنفسهم يمكن أن يكونوا موضع مساءلة (أن يُعزلوا، أو يعاقبوا أو يقتلوا) إذا خالفوا مواد الدستور، كان في رأيهم ليس أقل من دفاع عن الفوضى.
السيادة في رأي من يؤمنون بالسيادة المطلقة هي أن تكون أو لا تكون. يجب أن يكون لإنسان ما، الكلمة النهائية فيما يتعلق بالقانون وأية محاولة لوضع تلك السيادة في "دستور"، والذي يكون دائماً معرضاً لتفسيرات مختلفة، هي دعوة دائمة للثورات والفوضى الاجتماعية، حيث تتصارع الفئات المختلفة لفرض وجهات نظرها الذاتية في دستور هش يُفترض أن جذوره مستقاة من المؤسسات القديمة والعادات والأسبقيات.
لقد كان ذلك ينطوي على قلق مُحق، وقد أدى إلى دفع كثير من الأمريكيين إلى الموافقة على ضرورة وضع دستور مكتوب، يعطي للحكومة فقط تلك السلطات المنصوص عليها والمفوضة لها من قبل الشعب—وهو تحديد كان يؤملُ منه أن يُقلل من إمكانيات النزاعات العنيفة. هذا القلق، أبرز كذلك الحاجة إلى فصل السلطات داخل الحكومة. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تعود إلى كتاب قدماء الإغريق والرومان، فإن الأمريكيين مدينون بدرجة رئيسية إلى النموذج البريطاني في وضع دستورهم المحدد.
فصل السلطات، الذي تجسده في الدستور الأمريكي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، يطلق عليه نظام "المراقبة والموازنة". هذا الشعار يعكس الخوف من تعطش السلطة (وكان هذا تعبيراً شائعاً في القرن الثامن عشر في الأدب السياسي)، من شأنه بطبيعة الحال أن يدفع بالحكام إلى توسيع سلطاتهم متجاوزين الحدود التي وضعها الدستور.
لذا، وبتقسيم السلطة بين ثلاث مؤسسات مختلفة ضمن الحكومة، وبالسماح لكل منها بمراقبة سلطة المؤسستين الأخريين، كان يُعتقد بأن ذلك سوف يُحقق التوازن المطلوب في ممارسة السلطة. كان هذا النظام محاولة ذكية لتوجيه النتائج الضارة المتأتية عن تعطش السلطة، بحيث تنتج التوازن المأمول بينها، علماً بأن كل واحدة من مؤسسات الحكومة سوف تعمل على تقييد سلطة المؤسستين الأخريين، للحفاظ على سلطتها المنصوص عليها بالدستور.
5. حكم القانون:
وهو مبدأ يجوز بمقتضاه ممارسة السلطة الحكومية فقط طبقاً للقوانين المعروفة، والتي تم تبنّيها من خلال إجراءات راسخة. ويُقصد من هذا المبدأ بأن يكون إجراءً وقائياً ضد الأحكام التعسّفية في الحالات الفردية.
6. الحكومة المقيَّدة (الحكومة الصغرى):
وهي نوع من الحكومة تكون فيها ممارسة المهام والسلطات من قبل تلك الحكومة منصوصاً عليها ومحدَّدة ومقيَّدة بالقانون، وعادة في دستور مكتوب. إن هذا المصطلح هو سياسي وأيديولوجي، وليس قانونياً، وقد تمت صياغته استجابة لنزعة تمت ملاحظتها في البيروقراطية الحكومية المفرطة—يشار إليها بشكل خاص بـ"الحكومة الكبرى". وكثيراً ما يستخدم المؤيدون لهذا التعريف مصطلح "الحكومة المقيَّدة" للإشارة إلى وضع قيود على قدرة الحكومة في معارضة نموّ القطاع الخاص.
7. المُلكـيـة:
لقد استعمل تعبير "الملكية" بمعنيين مختلفين في تاريخ الفلسفة السياسية. ففي المعنى الأقدم والأوسع، كان تعبير الملكية يشير إلى التسلط الأخلاقي—حق استخدام والتخلي عن شيء ما—بينما في المعنى الحديث، فإن التعبير عادة يشير إلى موضوع هذا الحق أو، الشيء الذي يُملك. وللتدليل على ذلك: بينما يتحدث ليبرالي حديث بالقول "هذا القلم هو ملكي"، فإن مثيله في القرن السابع عشر ربما كان يقول: "إنني أحوز على ملكية في هذا القلم". ففي هذا المعنى الأخير، يمكننا أن نفهم قول جون لوك بأن لكل شخص ملكية في شخصه. وكذلك تعبيرات متصلة يستخدمها المفكرون الليبرتاريون مثل "الملكية الذاتية" أو "ملكية الذات". هذا المبدأ الليبرتاري الجوهري يعني أن لكل فرد السلطة الأخلاقية النهائية على جسمه أو جسمها، ومواهبه وعمله وثمار أعماله.
ويجب أن نحتفظ في ذهننا بهذا المعنى القديم، عندما ننظر في قول لوك وغيره من الليبراليين الأوائل، بأن الوظيفة المناسبة للحكومة هي حماية الملكية. وقد أعطى لوك تفسيراً بأنه يعني "بالملكية"، ليس فقط المقتنيات المادية، بل الحق الجوهري المتصل "بالحياة، والحرية والملكية."
لقد كان من الأمور الشائعة في لغة الليبرتاريين في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مناشدة الملكية في ضمير الإنسان كأساس أخلاقي للحرية الدينية؛ وفي الحقيقة، كان جيمس ماديسون قد اعترض على القوانين التي تحد من نشاطات العمل يوم السبت، كانتهاك للملكية في زمنه. مثل تلك التعابير لا تكاد تكون مفهومة للقراء في يومنا هذا، الذين لا يستطيعون أن يفهموا كيفية استعمال تلك الكلمة في عهود سابقة. بعض نقاد الليبرتارية استغلوا سوء الفهم ذاك للهجوم عليها بصفة كونها نظرية سطحية ومادية، حيث يفترضون بأنها تُركز على الأشياء المادية على حساب القيم الأعلى.
يتضح أنه لا يوجد أي محتوى لهذا الزعم، في ضوء فهمنا للمعنى الأوسع الذي أعطى لكلمة الملكية في عصر سابق. ففي تأكيدهم على أن الملكية حق غير قابل للتنازل، كان الليبراليون الأوائل يحاولون التركيز على أولوية الإنسان وأخلاقيته واستقلاله، الأمر الذي يعني أن علينا أن نتعامل مع الآخرين تعاملا طوعياً عن طريق الإقناع والرضا، بدلاً من الإكراه.
8. المنهج الفردي:
وهو نظرية شارحة في العلوم الاجتماعية، والتي بموجبها، فإن جميع المؤسسات وغيرها من الظواهر الاجتماعية الأخرى، يمكن في نهاية المطاف إيجازها (أي شرحها) من منظور الفعل البشري الفردي وما يتأتى عنه. وكما أوضح كارل بوبر ذلك بقوله: "يجب أن تُفهَم الظواهر الاجتماعية دائماً كنتيجة للقرارات والأفعال ومواقف الأفراد البشر، ويجب أن لا نكتفي أبداً بشرح يتم من منظور مُسميات جماعية مثل (الدول، الأمم، الأجناس.. إلخ)."
المنهج الفردي يقارَن عادة بما يسمى الشمولية الاجتماعية، وهي النظرية القائلة بأن المؤسسات تتسم بخصائص فردية ناشئة لا يمكن فهمها فهماً كلياً بالرجوع حصراً إلى الأفراد الذين تتألف منهم تلك المؤسسات.
وفي الإجابة على حجج الشموليين، أوضح دعاة المنهج الفردي بأن طريقتهم لا تستدعي شرح الظواهر الاجتماعية من منظور الأهداف وغيرها من إرادات وتصميم الأفراد. فإذا ما بدا بأن الظواهر الاجتماعية لها خصائص فريدة لا يمكن إرجاعها إلى الأفراد، فما ذلك إلا أنها كثيراً ما تكون النتيجة غير المتعمدة للفعل البشري—نتائج معقدة ليست ناتجة عن سبق تصور أو تخطيط. ومع ذلك، فنحن لا نحتاج إلى مناشدة شيء أبعد من أفعال الأفراد، عندما نشرح تلك النتائج.
في علم الاجتماع، كان ماكس ويبر وجورج زيميل وألفرد شوتز، وغيرهم من دعاة المدرسة التفسيرية للنظرية الاجتماعية، الأكثر نفوذاً في الدعوة للمنهج الفردي. إنها تُستخدَم على نطاق واسع من قبل علماء الاقتصاد المحدثين. يشمل هؤلاء نمساويين أمثال فريدرك هايك، ولودفيغ فون ميزس؛ وأعضاء مدرسة شيكاغو أمثال فرانك نايت وميلتون فريدمان؛ ورواد في نظرية الخيار العام مثل جيمس بيوكانن. كما دافع عن المنهج الفردي كارل بوبر وأتباعه، وفي مقدمتهم جيه. دبليو. إن. واتكنز.
9. التسامح الديني والحرية الدينية:
حرية الدين—أو "حرية الضمير" كما كانت تُسمى في كثير من الأحوال—تمتعت بمركز الصدارة في التصنيف الليبرالي للحريات. ووصف جيمس ماديسون هذه الحرية بقوله: "هذا الحق الطبيعي وغير القابل للتصرف هو أكثر الحقوق قدسية"—وهو شعور عبَّر عن مثله جون ستوارت ميل، بعد عقود لاحقة عندما قال إن حرية الضمير هي "الأولى بين جميع عناصر العقيدة الليبرالية."
وعلى الرغم من أن دعاة الحرية الدينية من الليبراليين، كانوا يُقدِّرون جهود جون لوك وغيره من أوائل المدافعين عن التسامح الديني، فقد كان رد فعلهم شديداً إزاء الحرية الجزئية التي تضمنها مثل ذلك التسامح (لوك، على سبيل المثال، استثنى الكاثوليك والملحدين من مشروعه)؛ وقد رفضوا فكرة أن للدولة الحق في أن تمنح أو تحجب التسامح على أساس الانتهازية السياسية. إننا نرى ذلك في ملاحظات ميرابو، خلال اجتماع للجمعية الوطنية الفرنسية (التي أقرَّت "إعلان حقوق الرجل" في عام 1789):
"إنني لن أعظ حول التسامح. إن الحرية القصوى غير المحدودة للدين، هي في نظري حق من القداسة بحيث أن كلمة تسامح التي يفترض أن تُعبِّر عنها، تبدو لي وكأنها توحي بالاستبداد. وفي الحقيقة، فإن وجود أية سلطة تملك القوة على منح التسامح، هي تعدٍّ على حرية التفكير، تحديداً بسبب أنها تتسامح، وبالتالي فإنها تملك السلطة لحجب التسامح."
وفي قول مماثل في كتابه: حقوق الرجل، كتب توماس بين يقول "التسامح ليس نقيضَ عدم التسامح، بل إنه شكلٌ مزوَّر ٌ من أشكاله. فكلاهما استبداديان. فأحدهما يعطي لنفسه حق حجب حرية الضمير، والآخر حق منحها."
وبالإضافة إلى الحجة الأخلاقية بأن حرية الضمير هي حق غير قابل للتصرف، فقد قدم المدافعون عن الحرية الدينية، عدداً من الحجج العملية دفاعاً عنها. وأهم تلك الحجج أشارت إلى القلق من أن يؤدي تعدد المعتقدات الدينية وممارساتها في الأمة الواحدة، إلى إذكاء النزاعات المدنية، حيث أن ممارسي كل دين من تلك الأديان سوف يسعون إلى تحقيق السيطرة السياسية على منافسيهم.
وقد وجد الليبراليون الحل لهذه المعضلة في علمانية السلطة السياسية (أو فصل الكنيسة عن الدولة كما كان هذا المبدأ متعارفاً عليه في الولايات المتحدة). فإذا ما حُرمت جميع الأديان من السلطة القهرية، فإنها لن تكون قادرة على السيطرة على أو اضطهاد منافسيها. الإقناع الطوعي عندها يقف وحده كوسيلة وحيدة لكسب المعتنقين. لقد كان حصول الحكومات على السلطة القهرية هو السبب الرئيسي في نشوب الحروب الكثيرة على امتداد التاريخ، ذلك أنه دفع بالأقليات، خشية تعرضهم للاضطهاد، إلى حمل السلاح دفاعاً عن النفس. يضاف إلى ذلك أن حيازة السلطة تؤدي إلى إفساد المؤمنين الدينيين، بنفس قدر إفسادها لغيرهم، وبالتالي فقد قال الليبراليون بأن الحرية تخدم مصلحة كل دين حقيقي.
10. الرأسمالية (النظام الرأسمالي):
وهي تشير، في العرض الشائع، إلى نظام اقتصادي تكون فيه كلّ أو معظم وسائل الإنتاج مملوكة ومدارة بشكل شخصي، ويتم فيه تحديد الاستثمار والإنتاج وتوزيع أسعار البضائع (السلع والخدمات) بناءً على تأثير العرض والطلب في سوقٍ ما، بدلاً من أن يكون بواسطة الدولة. ويقوم مالكو وسائل الإنتاج بوجه عام بتشغيلها لتحقيق ربح نقدي، متّبعين إيماءات الربح والخسارة لتوزيع الموارد الشحيحة بكفاءة.
11. السوق الحرّة:
وهو نظام مثالي للسوق، حيث تكون فيه جميع القرارات الاقتصادية والتصرفات من قبل الأفراد فيما يتعلق بتحويل الأموال، والسلع، والخدمات، مجرّدة من الإكراه أو القسر والسرقة. وباللهجة العامية والمخففة، فإن اقتصاد السوق الحرّة هو اقتصاد تكون فيه السوق حرّة نسبياً، كما هو الحال في اقتصاد تشرف عليه حكومة تمارس سياسة عدم التدخل بدلاً من سياسة اقتصادية مختلطة أو تابعة لسيادة الدولة. إن المصطلح الأكثر شيوعاً ضمن مفهوم الاقتصاد هو ببساطة "السوق"، أو "آلية السوق"، حيث يعني توزيع الإنتاج من خلال العرض والطلب.
12. الكتلكتية:
الكتلكتية تعني "علم التبادل". وقد استخدم هذا التعبير، أول ما استخدم من قبل ريتشارد واتلي في عام 1831. ففي محاضراته التقديمية حول الاقتصاد السياسي، أعرب واتلي عن عدم رضائه لاستخدام تعبير الاقتصاد السياسي، باعتبار أنه تعبير كان اختياره "مدعاة للأسف الشديد" في استعماله للتعبير عن علم الاقتصاد، وقد أوصى باستخدام تعبير "كتلكتية" بدلاً من ذلك. فعلم التبادل هو فريد من حيث اختصاصه بالإنسان، وأنه في هذا الجانب من فعل الإنسان، ما تنطوي عليه دراسة الاقتصاد السياسي.
في تقدمته لكلمة "كتلكتية"، أكد واتلي على أن الاقتصاد ليس معنيا بالأشياء التي يتم تبادلها، بل بفعل التبادل نفسه. هذا التركيز على الفعل البشري بدلاً من التركيز على "الثروة" كالموضوع الجوهري في الاقتصاد، قاد واتلي إلى الدفاع عن النظرية الذاتانية غير الموضوعية للقيمة، وهو توجه حذا حذوه ناساو سينيور، وغيره من المنشقين عن منهج ريكاردو التقليدي السائد في زمنه.
تعبير الكتلكتية لم يجد من يسنده، على الرغم من الدفاعات التي قدمها واتلي للعمل به. بيد أن هذا التعبير لقي رواجاً في آخر الأمر، على يد لودفيغ فون ميزس، الذي وضع تحت عنوان "آفاق وطرق الكتلكتية" فصلاً مهماً في كتابه: الفعل البشري. وقد وصف ميزس فحوى الموضوع الذي يبحثه علماء الاقتصاد، بأنه السعي لشرح وبيان الظواهر المختلفة للسوق والتي تتأتى عن فعل التبادل. ودعا إلى وضع نظرية شاملة للفعل البشري وأطلق عليها اسم "براكسيولوجي". لا توجد ظواهر اقتصادية فريدة بهذا المعنى، ولن يكون مجدياً الاستنجاد بدافع الربح، أو بمفهوم النظرية المجردة لـ"الإنسان الاقتصادي"، كتفسيرات للمبدأ. نظرية القيمة المجردة، لا يمكن فهمها إلا من خلال نظرية أوسع حول الفعل البشري—نظرية عالمية عامة تنطبق على جميع الأفعال، وليس فقط مجرد تلك الأفعال التي توصف تقليدياً بأنها "اقتصادية". وعلى الرغم من أننا يمكن أن نستخدم تعبير الكتلكتية لتحديد جوهر محتوى الاقتصاد، يتوجب أن يعتبر ذلك فرعاً من فروع "البراكسيولوجي".
13. مدرسة شيكاغو:
ربما تكون إحدى "مدارس" الاقتصاد الأمريكية المعروفة جيداً. وفي معناها الدقيق، تشير "مدرسة شيكاغو" إلى أسلوب أعضاء دائرة الاقتصاد في جامعة شيكاغو على مدى القرن الماضي. وبمعنى مخفّف، فإن مصطلح "مدرسة شيكاغو" مرتبط بصنف خاص من الاقتصاد الذي يتقيّد تماماً بنظرية الأسعار التقليدية الجديدة في تحليلها الاقتصادي وتحرُّر السوق من الكثير من العمل المتعلق بسياستها وبمنهجية تمقت نسبياً المبالغة في الشكليات الرياضية (الحسابية) وترغب في تجاهل الجدل المنطقي المتعلق بالتوازن العام الحذر لصالح تحليل التوازن الجزئي الموجه بالنتائج بشكل أكبر. وفي السنوات الأخيرة، اقترنت "مدرسة شيكاغو" بتطبيق الجدل المنطقي الاقتصادي على مجالات تعتبر تقليدياً حقاً مقتصراً على حقول أخرى، كالعلوم السياسية، والنظرية القانونية، والتاريخ، وعلم الاجتماع.
لقد كان لمدرسة شيكاغو جوانب متعدّدة ذات مميّزات مختلفة تماماً. وبالرغم من ذلك، يبدو أن العامل الثابت الرئيسي يتمثل في أنها احتفظت دائماً بمكانة فريدة ومتميّزة ومؤثّرة في حقل الاقتصاد في أيّ وقت. وفي العصر الحديث، وتحت مظلّة "مدرسة شيكاغو"، فإننا نستطيع أن نحصي عدّة مدارس فكرية أخرى تم بحثها بتفصيل أوسع في مكان آخر: وعلى سبيل المثال، النظرية القائلة بأن اقتصاد بلدٍ ما يتحدّد بشكل رئيسي بكميّة النقود أو الأموال المتوفرة (السياسة النقدية الاقتصادية) في عقد الستينيّات من القرن الماضي، والاقتصاد الشامل التقليدي الجديد والمتعلق بدورة الأعمال الحقيقيّة منذ عقد السبعينيّات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وفي وقت أقرب، المؤسّساتية الجديدة، والاقتصاد التاريخي الجديد، والاقتصاد القانوني، وغيرها.
لقد حصلت جامعة شيكاغو على حصة الأسد من جوائز نوبل في الاقتصاد: ميلتون فريدمان، وثيودور شولتز، وجورج ستيجلر، ورونالد كوز، وجاري بيكر، وميرتون ميلر، وروبرت فوغل، وروبرت لوكاس، وجيمس هيكمان، كانوا جميعاً في كلية شيكاغو عندما حصلوا على جوائزهم. وإذا كنّا سنضيف رجال الاقتصاد الذين تدرّبوا في كلية شيكاغو، فإن قائمة الحاصلين على جوائز نوبل سوف تتوسّع لتشمل هيبرت سايمون، وجيمس بيوكانن، وهاري ماركوفيتس، وروبرت موندل، ومايرون سكولز.
14. المدرسة النمساوية:
وهي مدرسة للفكر الاقتصادي ترفض الاعتماد الحصري على أساليب تُستخدم في العلوم الطبيعيّة لدراسة عمل الإنسان، وتقوم بدلاً من ذلك ببناء تكوينها الخارجي للاقتصاد على علاقات تتم عن طريق المنطق. إن أشهر المناصرين لها هم كارل مينجر، ويوجين فون بوم-بافيرك، وفريدرك فون فايزر، ولودفيغ فون ميزس، وفريدرك فون هايك، وإزرائيل كيرزنر. لقد كان للمدرسة النمساوية نفوذاً واسعاً بسبب تأكيدها على الطور الإبداعي للإنتاجية الاقتصادية وعلى تشكّكهم في أساس النظرية السلوكية التي تشكّل أساس الاقتصاد التقليدي الجديد. وترتبط المدرسة النمساوية بوجه عام بالليبراليين الكلاسيكيين أو الليبرتاريين في أفكارهم حول النظام الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي.
15. التنظيم:
وهو تقييد قانوني يتم إصداره من قبل الهيئات الإدارية الحكومية من خلال وضع القواعد. ويتم تحليل اقتصاديات فرض أو إزالة الأنظمة المتعلقة بالأسواق من خلال منهج الاقتصاد التنظيمي.
16. الاقتصاد الدستوري:
ما هي النصيحة التي نستطيع تقديمها لأنفسنا في مجتمعاتنا، حيث نقف أمام فوائد ومزايا التعاون من جهة، واحتمالات النزاع من ناحية أخرى؟ أية نواحي من حياتنا الاجتماعية يتوجب التخلي عنها؟ أين هي "قوانين النظام الاجتماعي"—الترتيبات المؤسسية التي تحكم تفاعلاتنا—والتي تقودنا إلى التفاعل سلبياً تجاه بعضنا بعضاً؟ أين هي القوى التي تدفع باتجاه التوافق، والتي يمكن تعبئتها؟ أية قوانين—وأية مؤسسات—يجب علينا أن نكافح من أجل الحفاظ عليها؟
هذه الأسئلة تمثل مجال التحقيق الذي نسميه "الاقتصاد الدستوري" والذي يقع في صلب اهتمامه الأنظمة التي تحكم النظام الاقتصادي–السياسي. ومن رواد هذا الحقل من التحليل عالم نوبل للاقتصاد جيمس بيوكانن، والزميل الأقدم بمعهد كيتو في واشنطن العاصمة.
هذه الأسئلة المهمة—حتى وإن كان يتم تجاهلها على نطاق واسع في الأبحاث الحديثة—لا تسأل في فراغ فكري تحليلي تام. فلقد أشغلت في الواقع عقول بعض أعظم المفكرين في التراث الغربي.
وبشكل محدد، يقدم الاقتصاد الدستوري تشخيصاً لأنماط مختلفة من التفاعلات، والطرق التي تكون بموجبها القوانين والأنظمة والمؤسسات ذات علاقة بطبيعة التفاعلات التي تسود. وحتى تكون فاعلة، تحتاج الأنظمة إلى الاستقرار. فإذا كانت خاضعة للتغييرات المستمرة، فإن المعلومات التي تعطيها تصبح لا قيمة لها.
إلا أن هذه النتيجة تُشير إلى أن هنالك ميلاً طبيعياً نحو المحافظة في المجال الدستوري. مجرد إظهار أن الحالة (أ) ستكون افضل من الوضع القائم، بمجرد أن تتحقق حالة (أ)، ليس كافياً للدليل على أن الانتقال من الوضع القائم له ما يبرره.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة يكشف النقاب عن تمييز بين "التصميم الدستوري" و"الإصلاح الدستوري". في التصميم الدستوري حيث لا تكون هنالك أنظمة فعالة قائمة مسبقاً، كل ما هو مطلوب هو الاختيار بين نظام يؤدي إلى مجموعة معينة من النتائج، والنظام الذي يؤدي إلى مجموعة بديلة. النظام الذي يؤدي إلى مجموعة النتائج المفضلة هو النظام المفضل. ولكن عندما يتعلق الأمر بتغيير نظام قائم، كما هي الحالة في الإصلاح الدستوري، فإن النظام الذي يحقق أفضل مجموعة من النتائج، ليس بالضرورة الأفضل.
النقاش هنا يعطي بعض القوة لدعاة التطور التدريجي الاجتماعي الذين يكرهون حماس دعاة خلق الدساتير. فإلى المدى الذي توجد فيه أنظمة مستقرة ومقبولة، فإن من الأفضل للمجتمعات عدم محاولة التغيير. إلا أن الاعتراف بهذا القول لا يقود بالضرورة إلى وجهة النظر القائلة بأن الإصلاح المتعمد للأنظمة القائمة لن يكون مرغوباً فيه في جميع الأحوال.
المقولة هذه إنما تنبهنا فقط إلى الحاجة للأنظمة المتعلقة بالإجراءات التي يمكن بواسطتها تغيير الأنظمة القائمة، وبالأخص للتأكد بأن تغيير الأنظمة لا يجب أن يتم مرات عديدة متتالية، ودون الأخذ بالاعتبار ثمن المراحل الانتقالية.
قد تكون الحاجة إلى نظام واضحة بشكل مباشر؛ إذ لا يستطيع المرء أن يتصور سيناريوهات بدون وجود أنظمة. وفيما يتعلق بالتفاعل الاقتصادي بين الأفراد، وهو الأكثر أهمية، فإن الأنظمة التي تحكم سلوك الأفراد كثيراً ما يتم تجاهلها.
علماء الاقتصاد أنفسهم كانوا مهملين بشكل فاضح في هذا المجال. إن تمرينات تحليلية معقدة حول أعمال السوق تتم في كثير من المناسبات بدون أدنى إشارة إلى الأنظمة التي يتعامل الأفراد في الأسواق ضمن إطارها. لم يكن آدم سميث واحداً من أولئك المتجاهلين؛ فقد أكّد على أهمية "القوانين والمؤسسات"، في النظام الاقتصادي.
إن التباعد والتخلي عن تأكيد سميث والعلماء الكلاسيكيين على النظام يظهر أكثر ما يظهر في تحليلات "فشل الأسواق" في اقتصاديات الرفاه، والتي تطورت في العقود الوسيطة من القرن الماضي، حيث ادّعت بأن الأسواق سوف تفشل عندما تقارن وتقاس بالأنماط المنمقة المستقاة من تمارين علماء الاقتصاد في المعادلات الرياضية. فقد تمت التحليلات وكأن القيود المؤسسية لا علاقة لها إطلاقاً بالطريقة التي يتفاعل فيها الأفراد ضمن هياكل السوق.
مثل هذا التحيُّز، المتمثل في النظر إلى النتائج بدلاً من الأنظمة التي أوصلت إلى تلك النتائج، كان سبباً في خلق حالة من الارتباك العميق. فإصلاح النتائج يتأتى من خلال إصلاح الأنظمة، وليس من خلال التلاعب بالنتائج مباشرة. كما أن الاندفاع المعتاد لعلماء اقتصاد الرفاه كان يأخذ شكل تأييد الحكومة أو التدخل الجمعي في الأسواق.
هنالك طرق عدة للنظر إلى العمليات السياسية بنفس المعايير التي ننظر بها إلى الأسواق. الأولى والأكثر أهمية هنا هي النظر إلى العملية السياسية كنظام للتفاعل بين الأفراد والذي تنتج عنه النتائج الموازية. وجهة النظر هذه متوافقة مع عدد من الدوافع التي يمكن أن نعزوها إلى الأفراد، وأي عدد آخر من المقاييس والتي بواسطتها يمكننا تقييم القواعد المطبقة. أما الدوافع والمقاييس، فيمكن اختيارها من جعبة أدوات عالم الاقتصاد.
ما هو مهم هنا، مع ذلك، ليس الدافع وراء اللاعب، ولا المعايير التقديرية، إنما الاستعداد لفحص العملية السياسية بالمعايير العامة ذاتها التي نقيس بها الأسواق. الأفراد بتفاعلاتهم الموضوعية، وفق مجموعة من النظم (المؤسسات السياسية) لتحقيق تلك الأهداف، والتفاعل في النهاية يؤدي إلى إقامة نتيجة محدددة ينتج عنها التوازن. فإذا كانت قدرات وأهداف الأفراد معروفة، فإن الطريقة الوحيدة لتغيير نمط النتائج يكمن في تغير الأنظمة. وتغيير الأنظمة بالمقابل سوف يُغيّر النتائج التي تنبثق عن أي مجتمع من الأفراد.
يجب أن ننبه القارئ هنا إلى الدقة الضرورية في التمييز بين الأنظمة والنتائج في الإطار السياسي. في أحد المستويات، فإن أنظمة اللعبة السياسية واضحة بشكل كافٍ: حكم الأغلبية؛ الانتخابات الدورية؛ القيود المختلفة على مقدرة الحكومة على الأخذ؛ وجود تقديم حساب متكامل حول نفقات الأموال العامة؛ التكوين الجغرافي للترتيبات الانتخابية، بما في ذلك إمكانية تقسيم الصلاحيات السياسية نفسها وفق الأنظمة اللامركزية، إلخ. ومع ذلك، فإن كثيراً من تلك المعالم نفسها تتكون من العملية السياسية. على سبيل المثال، التفاهمات فيما يتعلق بالمجال المناسب للنشاط العام، والتي لها قيمة دستورية مهمة، تتم إلى حد كبير بقرارات سياسية متواصلة. ومن هذا المنطلق، فإن التمييز بين الأنظمة والنتائج يميل إلى الغموض في الإطار السياسي.
يضاف إلى ذلك أنه ما دامت الأنظمة والقرارات ضمن النظم نفسها تنبثق عن عمليات سياسية متشابهة، فإن أهمية التمييز بينهما تبدو مبالغاً فيها. إنه في الحالات التي لا يكون التمييز واضحاً أن تتعرض الأنظمة الأساسية في اللعبة السياسية إلى الخطر—ولهذا السبب علينا المحافظة على التمييز بين الأنظمة والنتائج ضمن الإطار السياسي.
الحجة الأولى لدراسة الأنظمة في مجال الاقتصاد الدستوري تعتمد على الاعتراف بالدور الذي تقوم به الأنظمة في فرز نتائج متوازية أو نمط من النتائج لمجتمع من المشاركين الاجتماعيين يتمتعون بقدرات وأهداف. وكما تم ذكره أعلاه، فإن التفاعل الذي يجري بين الأفراد أنفسهم ضمن أي مجتمع من المجتمعات قد يُولِّدُ العديد من النتائج الاجتماعية، رهناً بالأحكام التي تكون مرعية ومطبقة. ولكن فقط تلك النتائج الاجتماعية التي تكون مقبولة وذات جدوى هي تلك التي ينتج عنها توازن ضمن ترتيبات مؤسسية، ولهذا السبب، فإن من التضليل بحث جميع النتائج الاجتماعية التي يمكن تصورها واختيار أحدها كمثال لما هو أنسب في تقييم مستقل للمعايير. فالترتيبات المؤسسية تقيّد مجموعة النتائج ذات الجدوى بشكل لا يقل أهمية عن القيود الفيزيائية الأساسية التي تحدد آفاق المنتجات المرغوبة.
بيد أن السؤال الدستوري الطبيعي هو: كيف لنا أن نتأكد بأن الاختيار "الأفضل" سوف يتم عبر العملية السياسية؟ سوف يكون من الأجدى، بكل تأكيد، أن نحدد مجموعات بديلة من الأنظمة السياسية، وأن نتفحص التوزيعات التي تتأتى عنها. فإذا لم يتبين بأن أياً منها تتناسب مع "الأفضل"، عندها يجب أن نصل إلى قناعة بأن "الأفضل" ليس ممكناً.
إن أي مروِّج للدستور يُصر على دراسة الأنظمة لأنه يسعى إلى ضم جميع القيود ذات الصلة ضمن تحليلاته. ولكن، أن تُترَك القيود المؤسسية جانباً ليس أقل خطأ، من الناحية التحليلية، من تجاهل القيود على القدرات الإنتاجية لعناصر الاقتصاد، أو إهمال القيود الناتجة عن شح أساسي في الموارد.
الحجة الثانية لدراسة الأنظمة هي مستقاة من الطبيعة ولها أبعاد مختلفة. فالاختيار بين الأنظمة، كونها مطبقة على امتداد سلسلة طويلة من الأفعال، وتكون فيها حظوظ كل لاعب غير مؤكدة، ينطوي على بعض الخصائص الخاصة التي تكون غائبة من إطار الاختيار ضمن الأنظمة التي يكون فيها موقف كل لاعب من اللاعبين محدداً بشكل دقيق. وبشكل محدد، هنالك نزوع طبيعي لتعارض المصالح بين اللاعبين، ولكن ذلك يميل إلى الاعتدال الكبير عند اختيار الأنظمة، وبالتالي توسيع آفاق الاتفاق فيما يتعلق بالأحكام والأنظمة بينهم.
هنالك، مع ذلك، بُعد آخر للحجة المعيارية والداعية إلى الاهتمام بالأنظمة بدلاً من النتائج. هذا يشمل الادعاء بأنه لا يستطيع المرء أن يُقيِّم النتائج إلا إذا توافرت المعلومات حول كيفية الوصول إليها. مثل هذا الادعاء يمكن تقديمه على أساس أن العملية هي في جذورها ذات علاقة معيارية، أو على أساس أن المعلومات في العملية بدورها تقدم معلومات حول النتائج، والتي بدونها يكون صعباً أو مستحيلاً القيام بأي تقييم.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 2 نيسان 2007.