misbah projects
new book
صعود الصين المخملية: دبلوماسية جديدة لعصر جديد
 
(5 أصوات)
الكاتب/ محمد سيف حيدر

 

عندما زار مستشار الرئيس السابق بيل كلينتون للأمن القومي صامويل بيرجر، عاصمة تيمور الشرقية (التي استقلت حديثاً عن إندونيسيا)، لاحظ بشيء من الإعجاب قصراً رئاسياً متلألئاً ينتصب على مقربة من مُجمّع متألق جديد لوزارة الخارجية على شاطئ البحر، وأخذ يتساءل: كيف يمكن لتيمور الشرقية المُكافِحة، حديثة الاستقلال، أن تتحمل عبء القيام بمثل هذه المشاريع التي تُثير الإعجاب؟ غير أن مشاعر الإعجاب هذه سرعان ما تحولت إلى غيضٍ شديد (يُضمِر غضباً أشد) عندما علم أن هذين المشروعين "ليسا سوى هدية من حكومة الصين الشعبية، إضافة إلى ثكنات للجيش وزي عسكري جديد لجنود تيمور ومجموعة من المساعدات التقنية وبرامج التبادل". بيد أن ما أثار غيض بيرجر وحنقه أكثر—بالتأكيد—هو معرفته أن دبلوماسية الصين "المخملية" الناعمة تتخطى تيمور الشرقية بكثير، وأن قصة الأخيرة يجري تكرار روايتها في أرجاء مختلفة من العالم فيما بلاده تقوم بتقليص تدخلاتها في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا تحت وطأة هوس الإدارة و"محافظيها الجدد" بالعراق.

 

والحال أنه منذ نحو ثلاثة عقود خلت بات واضحاً للجميع أن العملاق الأصفر يعود؛ فمنذ أن أطلق الزعيم الصيني دينج شياوبنج إصلاحاته الاقتصادية عام 1978، والبلاد تُحقق معدلات نمو سنوية تصل إلى الـ10 بالمائة، مُضاعفة ناتجها القومي الإجمالي كل سبع سنوات. وإذا كان صحيحاً أن الجميع يُحِبّون الرابح، فينبغي أن لا يُفاجئ أحدٌ إذا بدأ عدد كبير من الأصدقاء والمعجبين يصطفون على باب الصين الناهِضة، سيما وقد أخذ الحديث عن قوتها الناعمة، فضلاً عن ديناميتها الاقتصادية المدهشة، يتزايد ويتّسع يوماً بعد يوم بالتوازي مع إجادتها للعبة العلاقات العامة الجيدة. ولِمَ لا؟ ففيما تتنامى مشاعر العداء لواشنطن في أماكن مختلفة من العالم، خصوصاً بعد تدخلها العسكري في العراق، كان الآخرون يُمسِكون بزمام المبادرة ويتحركون بخِفّة وبوتيرة أسرع. وبالطبع كانت بكين في مقدمة الجميع. فبفضل بُعْد النظر تحوّلت الصين، مستندةً إلى تعداد سكاني هائل ومعدلات نمو اقتصادي بالغ السرعة، إلى عملاق يلوح في أُفق آسيا، ومنذ بداية هذا القرن ازدادت مكانة الصين وبات العالم ينتظر صعودها كقوة عالمية كبرى منافسة للولايات المتحدة على النفوذ الدولي.

 

وعلى الرغم من أن بعض المشتغلين في الحقل الأكاديمي يُقلل من قيمة الصين الصاعدة ومن فعالية تهديدها لهيمنة أميركا الكونية، فإن ثمة اتجاهاً قوياً، بالمقابل، أخذ يُجادل بأن هذا هو ما يحصل بالفعل. فعلى سبيل المثال، يؤكد هاري هاردينج، مدير الأبحاث والتحليل في مجموعة يوروآسيا، أن الصين تُشكِّل تحدياً فردياً وجدياً للولايات المتحدة لأنها تتحول إلى "قوة متعددة الأبعاد" بخلاف منافسي أميركا الآخرين. فإذا كانت روسيا قد مثلت خلال الحرب الباردة تحدياً، لا تهديداً، للولايات المتحدة ولكنها فعلت ذلك بطريقة واحدة فقط: كانت لديها قدرات عسكرية قوية، وكان اقتصادها ضعيفاً جداً. وإذا كانت اليابان قد أصبحت منافساً اقتصادياً جدياً لأميركا في ثمانينيات القرن الماضي، لكنها لم تكن قوة عسكرية منافسة؛ في المقابل نجد أن قوة الصين الاقتصادية والعسكرية تنموان بسرعة مُلفتة، فضلاً عن أنها أخذت تستخدم "قوتها الناعمة" بشكل متزايد لمصلحة أهدافها الجيوستراتيجية الخاصة.



 


Developed & Designed by MediaPlus ©