misbah video cast
misbah projects
new book
العلمانية القلقة: حالة فرنسا إزاء مسلميها
 
(16 أصوات)
الكاتب/ محمد سيف حيدر

 

الله في فرنسا

 

منذ تبلوره في مطلع القرن العشرين، استهدف النموذج العلماني الفرنسي الفصل بين المؤسسات العامة—المدارس والهيئات الحكومية—والدين، بمظاهره الثقافية وتكويناته الاجتماعية كافة. وتأكيداً لخصوصية هذا النموذج، جرى تثبيت مبدأ العلمانية، باعتبارها ركيزةً من ركائز الديمقراطية والنظام السياسي الفرنسي، في دستور 1958 الذي أخذ بما كان وارداً في دستور 1946، وتم التشديد عليها كقيمة عليا تحكم حركة المجال الاجتماعي والسياسي العام. على أن هذا النموذج، وقد ترسَّخ في نظر الكثيرين، ما فتئ عرضةً للاهتزاز والاختبار منذ الوهلة الأولى. وطوال القرن الماضي (وبشكل خاص منذ منتصفه) وحتى اليوم، لم يَقُضّ مضجع العلمانية الفرنسية وعلى نحوٍ فاقم أزمتها الذاتية وأظهر تناقضاتها الخاصة، وعرّض نموذجها "الاستثنائي" و"الفريد" للانكشاف شيء؛ كما فعل الإسلام الذي بات حالياً بالنظر إلى عدد أتباعه، الديانة الثانية في فرنسا.

 

وبفعل التغيرات المتلاحقة والسريعة أخذت مسألة الإسلام ومكانة المسلمين موقعها في صميم النقاش الرئيسي الذي يشغل فرنسا والفرنسيين اليوم. والحال أن وجود عدد كبير من المواطنين الفرنسيين المسلمين في صميم الحياة السياسية والاجتماعية الفرنسية، ومن بينهم نسبة لا يستهان بها من المؤمنين والممارسين للعبادات، يُمثِّل أمراً جديداً في الجمهورية الاستعمارية السابقة. ولكن علاقة فرنسا بالإسلام بعيدة الغور في التاريخ وقديمة جداً، ولا شك أنها الأقوى مقارنةً بالدول الأوروبية الأخرى، إذا استثنيت حالة اسبانيا المعقدة. وقد تلقت هذه العلاقة دفعة قوية واكتسبت طابعاً خاصاً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحت تأثير مُقتضيات إعادة الإعمار والتي جعلت فرنسا تُكثِّف من سياسة الاستقدام للعمال الأجانب من المستعمرات، والتي بدأت مع البربر الجزائريين منذ عام 1906؛ فشرعت في استقدام العمال المغاربة، الذين زاد عددهم عن المليون في الستينيات. وعلى الرغم من إيقاف فرنسا استقدام العمال وإغلاقها حدودها في وجه الشمال الإفريقي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تلت الصدمة النفطية لعام 1973، والأزمات مع الجزائر، وتزايد جرائم القتل العنصرية في عهد الرئيس السابق فاليري جيسكار ديستان، ووقف الهجرة القانونية؛ فإن الوجود الإسلامي في البلاد لم يعتوره أي فتور أو تراجع يذكر، بل إنه عزز موقعه المجتمعي على مرِّ العقود بعد اندماج أعداد كبيرة من المهاجرين المسلمين في أحشاء المجتمع الفرنسي بحكم السياسة اللغوية المتشددة، مُشكِّلين وعاءً ديموغرافياً جعلهم في المرتبة الثانية بعد المسيحيين. وكان لا بد لهذا الوجود الإسلامي من أن يُظهر قصور العلمانية الفرنسية عن استيعاب ديانة الآخر ضمن قوانين الجمهورية ونظامها الاجتماعي الذي كان—ولا يزال—عبارة عن قِدْرٍ أكثر من كونه بوتقة انصهار.

 

يتراوح عدد المسلمين في فرنسا حالياً بين خمسة وستة ملايين شخص، وعليه تعتبر فرنسا أكبر دولة أوروبية في تعداد المسلمين، وإذا أخذنا في الاعتبار التقدير الأعلى، فستكون نسبة عددهم حوالي عُشْر عدد السكان. وإلى غياب الهرمية الدينية الواضحة لهؤلاء، ثمة تنوع اجتماعي/ثقافي كبير لا يُعرف مثيله في أي من البلدان الإسلامية. ورغم عدم وجود دراسة موثقة عن أصول المسلمين في فرنسا، بالنظر إلى أن جمع المعلومات أو الإحصاءات عن الأصول الإثنية والدينية مخالفٌ للقانون الفرنسي؛ فإنه يمكن القول أن غالبية مُسلمي فرنسا هم من أصول جزائرية ومغاربية على التساوي، ثم يليهم المسلمين ذوي الأصول التونسية الذين تبلغ نسبتهم حوالي النصف، ثم تأتي بعد ذلك مجموعة صغيرة من الأتراك والأكراد والمهاجرين وذرياتهم. وعلى الرغم من أنهم ينتمون إلى قوميتين مختلفتين إلا أن عامة الفرنسيين يعتبرونهم عرباً بسبب ديانتهم، وفي معظم الأحيان لا يذكرون المسلمين الأفارقة ناهيك عن الذين هاجروا من لبنان ومن دول الشرق الأوسط الأخرى. وفي العلاقة بين هؤلاء والدولة الفرنسية، ظلّ الرهان الأساسي هو مدى قدرة الجانبين على التعاطي والتفاعل مع قضية "دمج" المسلمين في المجتمع، ومن ثم "اندماجهم" بصورة سليمة وكاملة يُمكِن أن تُشكل نموذجاً مُشجعاً في سائر أنحاء القارة الأوروبية. إن "اندماجاً" ناجحاً للإسلام في الحياة الإدارية والثقافية والاجتماعية لفرنسا، على غرار المجموعات الدينية الأخرى، والارتقاء بالفرنسيين المسلمين إلى كل مستويات الحياة السياسية والمهنية والاجتماعية، لا يمكنها إلا أن تسهّل إلى حدّ كبير من عملية "الدمج" كما يجادل أكاديمي وسياسي فرنسي.

 

وفي الاتجاه المعاكس، فإن فشل الاندماج السياسي والاجتماعي يدفع حتماً بقطاع صغير من المسلمين، وتحديداً من الشباب، نحو إسلام مُنطوٍ على نفسه يمكن لكل الانحرافات أن تجد سبيلها إليه. إلا أن كل الشواهد تُظهر أن الأغلبية الساحقة من مسلمي فرنسا، والذين أصبحوا شركاء لغيرهم من الفرنسيين (مسيحيين ويهود) في المواطنة، يطمحون أساساً إلى المساواة في الحقوق والواجبات في مجتمع مسيحي ثقافياً، وتكرَّست فيه علمانية الدولة قبل وجودهم الكثيف في الأراضي الفرنسية. ما لا تدركه العلمانية الفرنسية على أن النموذج العلماني الفرنسي للاندماج ما فتئ منطوياً على إشكالٍ جوهري؛ فهذا النموذج ينطلق من ضرورة كسر التجمعات الإثنية والدينية، ويُعطي لها هامشاً أقل من التعبير الثقافي المستقل مقارنة بالنموذج الأنجلوساكسوني. فمن الصعب أن نجد في فرنسا كنائس مغلقة على السود أو على الآسيويين فقط، كما لا ينظُر هذا النموذج بعين الارتياح لهؤلاء المسلمين الذين يرتدون أزياءهم التقليدية أثناء ذهابهم إلى المساجد أو أثناء سيرهم في الشوارع، ويعتبر أن التماهي وأحياناً التطابق مع قيم النموذج الفرنسي يكسر—أولاً—الانغلاق العرقي، ويعطي—ثانياً—فرصاً أكبر لأبناء هذه الجاليات في الترقي داخل السلم الاجتماعي والسياسي بمنحهم فرصاً متساوية عن طريق دمجهم في قيم الجمهورية الفرنسية وليس من خلال بقائهم في تجمعات إثنية ودينية مغلقة. ومع أن المؤسسات الرسمية الفرنسية تُعلن مراراً وتكراراً أنها تعمل على إنصاف مواطنيها المسلمين، إلا أنها لم تحقق نجاحات ملحوظة. فعلى سبيل المثال، تصل نسبة البطالة بين المسلمين ذوي الأصول الجزائرية والمغاربية إلى 30% بينما هي لدى الفرنسيين بعامة لا تزيد عن 10%. ثم أن الوظائف التي تُعرض على هؤلاء أكثرها مؤقت، وليست من الدرجات التي تتفق مع المؤهلات. وإذ يلجأ بعض الشباب إلى الجيش هرباً من التمييز، لكنهم في الجيش أيضاً لا يلقون ترحيباً كبيراً في المراتب الوسطى والعليا. فالمسؤولون يعتبرون المغاربة والجزائريين، بالدرجة الأولى، مسلمين ويشكُّون في أن أكثر المسلمين الشباب هم من المتطرفين.

 

 


Developed & Designed by MediaPlus ©