| العلمانية القلقة: حالة فرنسا إزاء مسلميها |
|
|
الكاتب/ محمد سيف حيدر
|
|
|
الصفحة 1 من 3
بقدر ما كانت العلمانية الغربية اكتشافاً إيجابياً ومُبدعاً، بما أتاحته من فرصٍ سياسية لفكّ الاشتباك الذي كلّف المجتمع الغربي عشرات الحروب، بسبب الصراع على الدمج بين الدولة والاعتقاد الفكري؛ تُهدد العلمانية المعاصرة المتحولة إلى دين أو أيديولوجيا بتخريب الوعي السياسي والنضج المجتمعي وتعميق الخلط، تالياً، بين سلطة الدولة ومذهب الفرد وعقائده. وفي أفق هذا التحول، تتبلور أزمة العلمانية الغربية في أقصى تجلياتها ومفارقاتها. ولعل النموذج العلماني الفرنسي (وهو أحد النماذج العالمية—لا الغربية فحسب—الأكثر تشدداً في علمانيته ولائكيته؛ وهنا تحديداً تكمن خصوصيته) من أهم الأمثلة التي تعكس بشكل صارخ معالم هذه الأزمة، والتي تبدو مُجسّدةً—بكل وضوح—من خلال تعاطي الدولة الفرنسية مع قطاع مهم من قطاعات الشعب الفرنسي، والمقصود بالطبع مسلمي هذا البلد بفئاتهم وشرائحهم كافة. الطريق الطويل إلى العلمنة تعد فرنسا البلد الأوروبي الوحيد من بين الدول التقليدية المكونة للاتحاد الأوروبي (أي ما قبل انضمام دول أوروبا الشرقية للاتحاد) الذي نصّ صراحة على لائكية/علمانية الدولة مع الامتناع عن الإشارة إلى الديانة الرسمية، وقد كان ذلك لأول مرة في عام 1905، أي بعد ما يربو عن القرن والربع من اندلاع الثورة الفرنسية. ومقتضى هذه "الفرادة" التي تُميز النموذج العلماني الفرنسي، كما يقدمه مؤيِّدوه، اعتماد النظام السياسي والاجتماعي والثقافي لهذا النموذج على تقديس حرية الفرد ومساواته مجرداً من انتمائه الديني أو الإثني. ويدور لبّ المنطق الفرنسي على حشد المواطنة خلف قيم الجمهورية على نحوٍ يُعيد ترتيب الفرد وفق نموذج الجمهورية الجماعي. وواضح أن نموذج فرنسا في مسألة الانصهار الاجتماعي يختلف عن ذلك الأنجلوساكسوني الذي يتأسس على فكرة تعايش المجموعات بالاحتفاظ بخصائصها الإثنية والثقافية والدينية في مقابل احترام الآخر ضمن الوطن الكبير وقواعده. ومما لا شك فيه أن الخبرة التاريخية الحافلة بالصراعات الدينية والسياسية المريرة التي مرّت بها فرنسا عبر القرون الماضية كانت سبباً محورياً في تشديدها (المبالغ فيه إلى حدّ بعيد) على نموذجها العلماني هذا، كما أنها، في الوقت نفسه، تقف وراء قوة هذا النموذج ورسوخه كما "خصوصيته" المائزة. الثابت تاريخياً أن الديانة المسيحية كانت المحور الذي تأسست حوله الوحدة الفرنسية منذ أكثر من ألف عام، وبدت فرنسا، في وقتٍ من الأوقات، كما لو كانت الذراع اليُمنى والطولى للكنيسة الكاثوليكية، بينما يرتكز ملوكها في حكمهم لها على حق إلهي صارم تؤيده الكنيسة، وهو ما جعل مصالح الدولة والكنيسة تتداخلان، وتصيران في خندق واحد دائماً ضد كل محاولات الإصلاح الديني، خاصة تلك التي بدأت في منتصف القرن السادس عشر، عندما بدأ الإصلاحيون يرون في الكنيسة "دولة داخل دولة"، لها جيش مُستقل بذاته ممثلاً "بالمؤمنين"؛ وهو ما جعل الحل الوحيد للخروج من سيطرتها يكمن في اتباع كلمات المسيح نفسها التي تشدد على ترك "ما لله لله وما لقيصر لقيصر". ولم تأخذ هذه المحاولات الإصلاحية طريقها إلى التطبيق إلا مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789 وإعلان قيام الجمهورية بدلاً من الملكية فيها. ومن ثمّ ساعدت السرعة التي انتشرت بها الميول المناهضة للسيادة الإكليريكية الدينية أثناء الحقبة الثورية من التاريخ الفرنسي في إفساح الطريق أمام نشوء علاقات أكثر توازناً بين الكنيسة والدولة، والتي تجسدت في الاتفاقية البابوية التي تمت في عام 1801 بين نابليون بونابرت والبابا بايوس السابع، وهي الاتفاقية التي لا تزال سارية في الألزاس وأجزاء من اللورين حتى اليوم. وفي الوقت الذي أرست فيه الثورة مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، قام بونابرت بتثبيت بعض التغييرات التي أحدثتها الثورة مُقراً بذلك أول مرحلة للعلمانية في فرنسا. فالدولة علمانية في أساسها ولا يتضمن القانون المدني للفرنسيين أية تعليمات دينية، إذ تمت علمنة الأحوال الشخصية، وجاء الزواج المدني ليمثل خطوة إجبارية سابقة لأي حفل زواج ديني (حر واختياري). ومع أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تحظى باعتراف رسمي بوجودها وسلطتها الروحية في البلاد بحسب الميثاق البابوي الموقع عام 1801، فإنها سرعان ما أُجبرت—ولو على مضض—على القبول بوجود نظام رسمي يقيم مساواة مع العقائد الأخرى المعترف بها وهي: البروتستانتية اللوثرية والبروتستانتية المتجددة واليهودية. وبخضوع هذه الديانات لقانون وضعي (كرَّس وجودها بشكل رسمي)، أضحت تؤدي خدمة عامة تتمثل في "نجدة الدين" وتشارك في مفهوم الأخلاق العامة. وانطلاقاً من العام 1815 وجدت هذه التعددية الدينية نفسها محددةً بصراع ثنائي وصفه المؤرخون بأنه "صراعٌ بين فَرَنْسَيْن". وأدى الدور الذي لعبته الكاثوليكية بين عامة الناس إلى توليد معارك قاسية طيلة القرن التاسع عشر بين أنصار رجال الدين وخصومهم، وهو ما عكس بدوره صراعاً أكثر عمقاً بين أنصار الجمهورية والأطراف التي كانت تنادي بالعودة إلى النظام القديم. ومع نجاح الجمهورية في ترسيخ أقدامها منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، برزت أيديولوجية علمانية سعت إلى تخليص مؤسسات الدولة—النظام التعليمي في المقام الأول—من سلطان رجال الدين. وعند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وصل الصراع في فرنسا إلى ذروته: فأمام حملة "الكراهية" ضد الأقليات اليهودية والبروتستانتية، ومع الأحداث المتفجرة التي صاحبت قضية درايفوس والتي قام بها فرع من الكاثوليكية المتشددة، تم اتخاذ إجراءات استثنائية ضد الجمعيات الدينية (الكاثوليكية أساساً) ومُنعت من ممارسة التدريس منذ تموز/يوليو عام 1904. وفي هذا المناخ، صدر قانون التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1905 قاضياً بفصل الكنائس عن الدولة وعلى نحوٍ تام، وترسيخ العلمنة نهجاً للجمهورية الفرنسية. |