| الظاهرة الانتحارية: تأملات أولية في صناعة مزدهرة |
|
|
الكاتب/ محمد سيف حيدر
|
|||
|
الصفحة 3 من 3 التأرجُح بين وبائين وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة، في نسختها العصرية، كانت، إلى حدٍّ بعيد، ذات منشأ إسلاموي، لكنها لم تُحصر فيه. فمنذ 9 تموز/يوليو عام 1987، بدا أن "نمور التاميل"، وهم من الهندوس، قد أتقنوا هذا التكتيك وذلك عند تنفيذهم الاعتداء الذي قضى فيه أربعون جندياً سريلانكياً. ومنذ العام 1990، بدأ هؤلاء في شن هجمات انتحارية مدمرة وبصورة مكثفة ضد أعدائهم في سريلانكا والهند، وقد سُجِّل لهم حوالي مئتي عملية انتحارية، أي أكثر مما قام به الفلسطينيون. كما لجأ إلى هذا الأسلوب حزب "العمال" الكردستاني، مع أنه علماني ولينيني، في مراحل ضعفه العسكري، وذلك من أجل إعادة تعبئة مجموعاته. وفي العام 1994، شرعت بعض التنظيمات الفلسطينية المقاومة في استخدام هذا السلاح في مواجهة إسرائيل في محاولة لإقامة ما يشبه "توازن الرعب" بين الطرفين. وفي لحظات الذروة من الصراع، شكَّل المفجِّر الانتحاري أكثر الأسلحة العسكرية فعالية في الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وأخذ هذا السلاح—في وقت من الأوقات—يُعطي ثماراً ما، وخلق—بالفعل—انطباعاً بوجود نوعٍ من التوازن بين جانبيّ الصراع. فعلى الرغم من أن إسرائيل تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، بما لا يقاس بأي حالٍ مع خصومها الفلسطينيين (تشمل 3800 دبابة ونحو 2000 طائرة مقاتلة) وتستخدم العديد من الطائرات الحربية والمروحيات المقاتلة في هجمات على أهداف فلسطينية مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تقف العربات المدرعة والجنود في حراسة تقاطعات الطرق في كل أنحاء الأراضي المحتلة، وكثيراً ما تقتحم دباباتها المتثاقلة الحركة من طراز ميركافا القرى الفلسطينية. غير أن كل هذه القوة النارية—التي كانت مروّعة أمام الجيوش العربية في حروب سابقة—كانت بلا فعالية إلى حدٍّ كبير في مواجهة الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا يشنون هجمات وهم متنكرين أحياناً في أزياء اليهود الأرثوذكس أو الجنود الإسرائيليين، ويتسللون إلى حافلات النقل العام أو يمشون الهوينا عبر مراكز التسوق أو يدخلون المطاعم والمقاهي. وقد أدت هذه العمليات التي بلورت زخماً ذاتياً كما يبدو، دون أدنى شك وعلى خلفية التقبُّل العام لها في العديد من الأوساط الإسلامية، إلى الزيادة في تصدير هذه الممارسة، التي تخطّت الآن الحدود الجغرافية والدينية، ثم أصبحت مؤخراً، بفضل شبكة "القاعدة" المُبهمة، تخترق كل الحدود القومية. وشجَّع التنفيذ الفاعل لتلك التفجيرات في أرجاء العالم، وما ينجم عنها من غبار سياسي، شجَّع جماعات من أطياف شديدة التنوع على تبني تلك الممارسة. وبالإضافة إلى تلك المحاكاة التكتيكية، أضحت التفجيرات الانتحارية سلاحاً نفسياً جماهيرياً. وتالياً، أصاب ما يُسمِّيه علماء النفس ظاهرة "تأثير فرتر"* حيث يصبح الانتحار المثال الذي يسعى الآخرون إلى محاكاته؛ أصاب، في بعض الحالات، مجتمعات بأكملها. لكن هذه المجتمعات ليست كلها مُسلمة بالتأكيد، وأي زعمٍ يحاول التشديد على أن الانتحاريين يوجدون فقط في التقليد الديني والثقافي الإسلامي، ليس جاهلاً بالمعارف التاريخية وحسب، بل ينطوي على سوء نية وعنصرية أيضاً تفترض بثبات—وعلى الدوام—عدم احترام الإسلام "المتأصِّل" لحياة الإنسان وكرامة الفرد. ولا غرو أن الجدل الكبير حول العمليات الانتحارية بين الفقهاء المسلمين، وبعكس ما يُوحي، يُشجِّع أنصار هذا الافتراض على التمادي فيه، ويكاد يُصيب مبدأ "قدسية الحياة الإنسانية"، الذي أكّد عليه الإسلام. فالمسألة أصبحت قيد النظر، وهذا المبدأ المُطلق تَلبَّسَتْهُ النِّسبيَّة بحيث بات موضوعاً للجدال والأخذ والردّ بآياتٍ وأحاديث معصومة من كلّ زلل. غير أن هذا يجب ألا يجعلنا نستمرئ دور من يُطلق النار بين رجليه، وننسى، من ثمّ، أن نلتفت إلى الجانب البعيد/القريب، حيث يكمن "الآخر" المُبتلى—مثلنا تماماً—بالمشكلة ذاتها، إذ إن على عاتقهِ يقع جزءٌ مهم من الحل كذلك. وكما يفترض روبرت بيب، فإن "الإرهاب الانتحاري هو بالدرجة الأولى ردّ فعل ضد الاحتلال الأجنبي"، وهو على حق تماماً فيما يقول. فأي شيءٍ في هذا الوجود أشد وطأةً من احتلال غاصب يسرق الأرض ويستعبد أصحابها ويحوِّل حياتهم إلى جحيم، ويدفعهم—من ثمّ—إلى "الانتحار" مع قاهريهم دفعاً؟! وعليه، فإن الحد من انتشار "ظاهرة" كهذه، وتقليصها في النهاية، يتطلبان القليل من الواقعية الراديكالية لطبيعة التهديد. والخطوة الأولى على أي مسار كهذا يجب أن تكون إنهاء الاحتلال الأجنبي أينما كان ذلك ممكناً: فلسطين (أولاً ودائماً) والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها. وكما تدل التجارب، فإن هذه الخطوة، متى ما تحققت، تكون نتائجها فعّالة ومباشرة، ولنا في ما حدث في الأمس القريب شاهداً ومثالاً؛ فقد عزّز انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان القرار الذي اتخذه "حزب الله"، ومنذ سنوات الاحتلال الأخيرة، بوقف العمليات الانتحارية، والتي لم تكن تستهدف أساساً إلا أهدافاً عسكرية وليس مدنية. إن من يريد وقف انتشار وباء الانتحار ويُقفِل مصانعه المزدهرة، عليه أن يُوقِف—أولاً—انتشار وباء الاحتلال الكاسدة بضاعته—حتماً—بمنطق الحق وصيرورة التاريخ. * يُحيل التعبير إلى رواية الألماني جوته الشهيرة "أحزان الشاب فرتر"، التي يقوم فيها البطل الذي يحمل نفس الاسم بالانتحار. © معهد كيتو، مصباح الحرية، 28 نيسان 2008.
تحليل جيد
سناء
قدمت المقالة أو الدراسة تحليلا جيدا للعمليات الانتحارية وأرى أن الكاتب كان موفقا في طرحه وإن كان الموضوع بطبيعته معقدا ومتشعبا بسبب دخول عدة عوامل فيه، لكن المهم في الأمر أن الكاتب أشار بصراحة إلى مسؤولية قوى الاحتلال في شيوع هذه الظاهرة. هذه القوى ليست السبب الوحيد بالطبع، لكنها متسبب رئيسي فيها ولهذا من المهم أن تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في انهاء هذه الظاهرة التي اراقت الكثير من الدماء البريئة للأسف الشديد
عمليات استشهادية لا انتحارية
أبو خالد
يقول الكاتب أن العمليات التي تستهدف أعداء الأمة انتحارية وهو مخطئ تماما فالعمليات هذه استشهادية وليست انتحارية وغرضها الدفاع عن المستضعفين في الأرض وقتال المحتلين والغاصبين لأراضي المسلمين في كل مكان.
ثقافة الموت
معاذ
انتشرت ثقافة الموت والانتحار بشكل ملحوظ في عالمنا العربي وهي تعبر عن احباط الشعوب من الانظمة الحاكمة والسياسات الدولية غير العادلة. عموماً المقالة أجادت في تفكيك هذه الظاهرة الخطيرة
مقالة ممتازة
علاء أحمد
أعجبتني المقالة كثيراً فقد كتبت بلغة سهلة الفهم ومعبرة وأنا أويد الكاتب في رؤيته الذكية لهذه الظاهرة المزعجة التي ترفضها كل المنظومات الأخلاقية والدينية
|
|||