| الظاهرة الانتحارية: تأملات أولية في صناعة مزدهرة |
|
|
الكاتب/ محمد سيف حيدر
|
|
|
الصفحة 2 من 3 العملية الأولى وهَلُمّ جَرّا... لا جدال في أن فعل الانتحار أو الاستشهاد (سَمِّهِ ما شِئت) موغلٌ في التاريخ. وكان العالم المسيحي في القرن الأول يعجُّ بالشهداء، وعرفهم الإسلام أيضاً في بداياته. واليوم، في عالمٍ حديث لا يعرف سوى قوة عظمى واحدة لا تُضاهى، عادت خبرة الإخضاع والقهر التَّامّين إلى الوجود. في زمنٍ تُنفَّذ فيه المهام الانتحارية الحالية بشكل روتيني ضد حلفاء القوة العظمى المتبقية السياسيين والعسكريين، اكتسبت مُثُل الاستشهاد القديمة رواجاً جديداً. لكن المشكلة الآن هي أن ذلك المِثال قد جُهز بأسلحة وتكنولوجيا ذات قوة غير مسبوقة وأصبح وباءاً واسع الانتشار. منذ ألفيّ عام، كانت ثمة جماعات من الناس الذين اعتادوا الذهاب إلى المعركة وهم يهدفون، تحديداً، إلى أن يموتوا: كان بين هؤلاء اليهود السيكاريون في عالم روما الإمبريالي. فيما بعد، ظهرت طائفة "الحشاشين" أثناء الحروب الصليبية في العصور الوسطى، كما شاركت مثل تلك الجماعات القتالية في الثورات الإسلامية، في القرن الثامن عشر، ضد القوى الكولونيالية الغربية على شاطئ ملابار جنوب غرب الهند، وشمال سومطرة، وجزر الفلبين الجنوبية. كان يُلهم أولئك الناشطين مشاعر بالواجب الديني والبطولة الشخصية. وقد خُلِّدت أسماء المقاتلين الذين استُشهدوا في القصائد والأغاني، وكان هذا—بطبيعة الحال—إلهاماً للآخرين بمحاكاتهم. ثم، تحت ظروف جداً مختلفة، أحياه طيارو "الكاميكاز" اليابانيون، في الحرب العالمية الثانية، لكن الحركة ذوت بعد انتهاء الحرب. وعلى أية حال، بات الآن من الصعب، كما يُقرِّر كريستوفر رويتر في كتابه "جسدي سلاحاً: التاريخ الحديث للتفجير الانتحاري" الصادر في عام 2004، الحسم بأن أولئك الانتحاريين اليابانيين كانوا "متطوعين" حقاً. لكن هذا النوع من المهام الانتحارية ما لبث أن عاد مرة أخرى منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين، مُتَّخِذاً طابعاً مُغايراً. وكان ذلك، من ناحية معينة، تطوراً جديداً. فالفدائيون الوطنيون في الستينيات والسبعينيات كانوا يحاولون عادةً ألا يموتوا مع ضحاياهم واستطاعوا أن يقوموا بهجمات عن بُعد يحقق لهم الأمان. فإذا شاء سوء حظهم أن يُقبض عليهم، فإن منظمتهم كانت تحاول عادةً، وبنجاحٍ أحياناً، التوصل إلى الإفراج عنهم بخطف الرهائن والتهديد بإيذائهم أو قتلهم. حينما سُئل بيتر-يورجن بوك، العضو السابق في أحد فصائل "الجيش الأحمر" بألمانيا الغربية إذا كان الفدائيون الألمان الذين تدربوا في معسكرات في اليمن الجنوبية في السبعينيات قد درسوا الهجمات الانتحارية هناك، أجاب بالنفي وقال: "ليس من بين من تلقُّوا تدريبهم هناك أحد كان يُريد قتل نفسه، وينطبق هذا على الفلسطينيين. أردنا تحقيق أهداف معينة: كنا نريد اختطاف الطائرات، وتحرير المعتقلين، والحصول على المال، واحتجاز الرهائن. كنا نعلم، جميعاً، احتمال موتنا ونحن نفعل ذلك. لكن الموت لم يكن مقصدنا". وفي الماضي كان أولئك الذين يُقدِمون على القتل لباعثٍ ديني، وبصفة خاصة طائفة "الحشاشين"، يأنفون من البقاء على قيد الحياة بعد العمليات التي يقومون بها، ولكنهم لم يكونوا يُقدِمون على الانتحار. وينطبق الأمر نفسه على الجنود الإيرانيين صِغار السِّن في الحرب ضد العراق بين عامي 1980 و1988 الذين كانوا يسيرون وسط حقول الألغام حتى يطهروا الطريق أمام القوات النظامية دون أن يكون بأيديهم سوى جواز سفر إلى الجنَّة. وإذا كان للقدر أن يسخر من حينٍ لآخر، فإن سخريته—هذه المرة—تجلَّت في أن العمل بالنوع الجديد من المهام الانتحارية، بالمعنى الضيق لهذا اللفظ، والذي أسس لشكله الوبائي فيما بعد؛ بدأ على يد حزب "الدعوة" العراقي الشيعي الذي يلعب الآن دوراً مهماً في حكومة بغداد المدعومة من الولايات المتحدة: "إرهابيون غدوا مقاتلين من أجل الحرية" كما وصفتهم مجلة نيوزويك الأمريكية. فقائد حزب "الدعوة" إبراهيم الجعفري تولى رئاسة الحكومة العراقية لفترة من الزمن. لكن، في ثمانينيات القرن الماضي، كان رفاقه من الحزب يهاجمون أي شخصٍ يؤيد صدام حسين ونظامه في أي مكانٍ من العالم. وقد رأوا في حزب "البعث" العلماني الحاكم والتابع لصدام قوةً غريبة تحتل أرضاً شيعية مُقدسة. وفي 17 كانون الأول/ديسمبر من عام 1981، في أول هجوم انتحاري منذ الحرب العالمية الثانية، قام انتحاري من حزب "الدعوة" بتفجير سفارة العراق في بيروت قاتلاً 30 شخصاً. وفي عام 1983، حين كانت واشنطن وباريس والكويت تؤيد صدام بشدة، قام حزب "الدعوة" بتفجير السفارات الأمريكية والفرنسية في الكويت، مما تسبب في مقتل ستة أشخاص وجرح ثمانين. وسرعان ما بدأ الحلفاء المقربون من "الدعوة" في "حزب الله" بتنفيذ الهجمات الانتحارية ضد أهدافٍ أمريكية وفرنسية وإسرائيلية في لبنان؛ كان أشهرها على الإطلاق الهجوم الذي شُن في تشرين الأول/أكتوبر عام 1983، ضد مقرّ مشاة البحرية الأمريكية في بيروت، ما أدى إلى مقتل 241 جندياً أمريكياً. |