| الظاهرة الانتحارية: تأملات أولية في صناعة مزدهرة |
|
|
الكاتب/ محمد سيف حيدر
|
|
|
الصفحة 1 من 3
في مقالةٍ شهيرة أثارت جدلاً كبيراً، لاحظ الفيلسوف الفرنسي جان بودريار أن "الإرهاب لا يبتكر شيئاً، ولا يأتي بجديد. إنه فقط يدفع الأمور إلى حدِّها الأقصى، إلى الذروة". واتكاءاً على هذا المنطق، يمكن القول إن ذروة الأمور التي دفع بها الفعل الإرهابي المعاصر إلى الواجهة وعلى نحوٍ وبائي وعنيف تُفرزه أيديولوجيا وتقنية إعداد يسهل تنقّلها وتصديرها؛ بروز ما بات يُعرف بـ"الظاهرة الانتحارية". ومنذ اعتداءات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، أضحى من المؤكد، كما تقول المديرة العامة للأجهزة الأمنية البريطانية، إليزا مانينغام بولير، أننا "دخلنا مرحلة جديدة من تاريخ الإرهاب. هذه الحقبة الجديدة غير المحصورة مناطقياً أو وطنياً، تتميز بالإرهاب الانتحاري والاعتداءات التي تتعمد إلحاق أضرار جسيمة بالمدنيين، ويُنفِّذ هذه الاعتداءات جماعات ليست لديها أي مصلحة في الدخول في مفاوضات من أي نوعٍ كان". العملية الانتحارية، بحكم التعريف واضحة؛ فهي "عملية عسكرية يقوم بها شخص ما أو مجموعة من الأشخاص تستحيل أو تكاد تنعدم معها إمكانية بقاء المُنفِّذ أو المُنفِّذين على قيد الحياة وذلك بغرض تحقيق أهداف معينة." لكنها، في الواقع، وبعد أن تحولت إلى "ظاهرة" تؤرق الكثيرين في عالمنا الموبوء بالصراعات، أضحت سلوكاً يكتنفه التعقيد البالغ وتتناوشه تفسيرات مُتضاربة. وفي السعي إلى فهم هذه الظاهرة الجديدة يجب، كما ينصح بيار كونيسا بصدق، التخلِّي عن التمثيل المعهود بـ"الكاميكاز" اليابانيين الذين أرادوا فرض أنفسهم كمقاتلين يهاجمون أهدافاً عسكرية؛ ففرادة الظاهرة الحالية تعود بالأحرى إلى المبالغة في السلوك الاستشهادي في سياق تتزايد فيه أكثر فأكثر النواحي الخرافية. عولمة القتل عندما كان الإرهاب لا يزال محدود النطاق، كان الحصول على سيارات مفخخة سهلاً، لكن إيجاد أناس لقيادتها لم يكن كذلك. ولم يتّسم تجهيز سيارة عائلية أو شاحنة مؤجرة بمتفجرات محلية الصنع بأي صعوبة تقنية كبيرة. هكذا فجَّر متطرفون يساريون مركزاً للأبحاث في جامعة ويسكونسن الأمريكية عام 1970. واستعملت الطريقة نفسها في هجوم "القاعدة" الأول على مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993، وعند تدمير تيموثي ماكفيه للمبنى الفيدرالي في أوكلاهوما سيتي عام 1995، وعند نسف المُجمَّع السكني الأمريكي المسمى بأبراج الخبر في المملكة العربية السعودية عام 1996. كانت المعضلة الكبيرة تكمُن في مكان وضع المركبة من أجل التسبب بأقصى حد من الأضرار، وكيف—أو بالأحرى من—سيأخذها إلى هذا المكان. وكان حثّ شخص ما على نقل قنبلة شديدة التفجير في مهمة يعلم أو تعلم بأنها مهمة انتحارية يعتبر أصعب تحدٍّ على الإطلاق. وخلال الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية التي شهدت هجمات الانتحاريين اليابانيين ضد أهداف عسكرية أمريكية، ولمدة أكثر من 35 عاماً، كما يشير روبرت إيه. بيب في كتابه "الموت من أجل النصر: المنطق الاستراتيجي للإرهاب الانتحاري" الصادر في نيويورك عام 2005، لم يشُنّ أي فريق حملة من الهجمات الانتحارية في أي مكان من العالم. أما الآن، وكما نعلم، فإن هذه الطريقة شائعة وفي ازدياد. وحتى يومنا، هناك ما يزيد على أربع وثلاثين دولة أو منطقة أزمات شهدت عمليات انتحارية، كما أن اثنين وأربعين دولة استهدفت العمليات مصالحها في الخارج. وفي المحصلة، أخذ هذا النوع من القتل طابعاً معولماً بشكل ملحوظ؛ ففي الاعتداء على مركز التجارة العالمي اشترك انتحاريون من ست جنسيات (ما يزيد على خمسة عشر من اللوجستيين)، وحيث كان الضحايا من حوالي مئة جنسية مختلفة. أما المواقع المستهدفة فقد تنوعت بشكل عجيب، من مكاتب الأمم المتحدة، إلى السياح في الفنادق (مومباسا في كينيا وشرم الشيخ في مصر)، إلى النوادي الليلية (بالي)، إلى معابد اليهود (الكنيس في بيونس آيرس أو جربة)، إلى المجمّعات السكنية (في السعودية)، إلى المصارف (في اسطنبول)، إلى البوارج الحربية (يو. إس. إس. كول)، أو حاملات النفط (لينبورغ)... مع العدد الهائل من الضحايا الذين سقطوا على "هامش" هذه العمليات. وقد توسعت الاعتداءات جغرافياً من أراضي العدو العسكري (إسرائيل وسريلانكا والوجود الأمريكي في العراق وأفغانستان) لتطال نظاماً مُستكرهاً في عقر داره (الولايات المتحدة) أو دولاً مسلمة (تونس والمغرب والكويت واليمن وباكستان) وحتى إسلامية (مثل الحكومة التركية الحالية والسعودية). فإلى حدٍّ بعيد، تعولمت أيضاً الجغرافيا السياسية للعمليات الانتحارية بعد أن كانت تنفَّذ في بعض مناطق الأزمات المستعصية. وعليه لا يبدو مستغرباً أن يُعبِّر ستانلي هوفمان، مُنظِّر العلاقات الدولية الشهير، عن حاجتنا اليوم إلى "جغرافيا سياسية للأهواء" تُضاف إلى خرائط الأحداث العسكرية وأماكن تواجد الثروات. وسواء أكانت المتفجرات مُخبأة في سيارات أو زوارق أو حقائب ظهر أو ألبسة وأحزمة، كان—ولا يزال—مفعول الهجمات الانتحارية مُدمِّراً. وقد ذكر سكوت اتران، من جامعة ميشيغان الأمريكية، في كتابه "نشأة الانتحار الإرهابي" الصادر في 2003، أن عدد الأعمال الانتحارية يبلغ 5 في المئة من جملة الأعمال الإرهابية، وعدد ضحاياها 50 في المئة من جملة ضحايا الإرهاب الانتحاري، وبحسب دراسة لمؤسسة "راند"، فإن العملية الانتحارية تتسبب بسقوط الضحايا بنسبة تفوق أربعة أضعاف العمليات الإرهابية الكلاسيكية. لكن المخيف في الأمر أكثر، والحدث الأساسي الذي يستمد منه الإرهاب الانتحاري خطورته وقوته الرمزية الدافعة، كما يجادل جان بودريار، "هو أن الإرهابيين كفّوا عن الانتحار سُدى؛ وهو أنهم يراهنون بموتهم الخاص على نحوٍ هجومي وفاعل، وِفق حدسٍ استراتيجي هو، ببساطة، الحدس بهشاشة الخصم الهائلة، وهشاشة نظام بلغ شبه كماله، وهو، لذلك، مُعرَّض للأذى من أي شرارة". وبهذا، تحوَّل المُفجِّرون/المقاتلون الانتحاريون إلى نسخة من سلاح ذكي وفتَّاك. والأكثر من ذلك، أن العمليات الانتحارية—باعتبارها الخيار الأكثر سهولة—أصبحت صناعة مزدهرة؛ فهي طريقة رخيصة ولا يمكن التكهُّن بها ومتوفرة، ومن السهل بدرجة نسبية إخفاؤها ونقلها وتخزينها، كما أنها لا تفرِض وضع خطة فرار، ويصعب بالتالي كشفها والتصدي لها حتى من قِبل أكثر الأجهزة الأمنية براعة وتطوراً وأطولها خبرة وممارسة. ومن البديهي الإشارة إلى أنه لابد للانتحاريين من منظمة. وهذا شرطٌ لازم، والاستثناءات قليلة؛ فثمة طلب وعرض، والعملية الانتحارية ثمرة التقائهما. وتتولى المنظمة العرض، وتَستدرِج إلى العمل. ويصدُر الطلب عن تحت؛ عن القاعدة "الأصلية" لاسيما في مناطق النزاع حيث تتأجج المشاعر الدينية والوطنية. وشخصية مُنفِّذ العملية الانتحارية ليست دائماً شخصية ذاك الشاب المتحمس الخاضع لتأثيرٍ ما ولا حتى المخدرات والمنحدر من بيئة مُعدمة. فعدد لا يستهان به من الانتحاريين ليسوا من الفقراء ولا من المستضعفين ولا حتى من المُذلّين تحت جزمة الاحتلال. فهم في الغالب من أبناء الأسر الميسورة ومن خريجي التعليم العالي، وليس لهم تاريخ ولا ماضٍ نضالي. وهم ليسوا قوميين محبطين، بل أُمميون عارمو الثقة بأنفسهم وراسخو اليقين بأن الله معهم. وإذ يُمكن عزو بعض الحالات إلى الدوافع الشخصية كما في حالة هنادي جرادات، المحامية الفلسطينية التي أرادت أن تثأر لشقيقها وخطيبها في جنين في تشرين الأول/أكتوبر 2003؛ لكن ليست هذه حالة الانتحاريين الآتين من العراق لتنفيذ الاعتداءات في مدريد، ولا هي حتى حالة الإسلاميين الإندونيسيين الذين اختاروا قتل السُّياح الأستراليين في جزيرة بالي، كما هي ليست—بالتأكيد—حالة قتلة السُّياح الأسبان في مأرب أو السُّياح البلجيك في حضرموت. |