misbah video cast
misbah newsletter
new book
إستقالة الأدميرال وليم فالون من وجهة نظر عسكرية
 
(2 أصوات)
الكاتب/ موسى القلاب

بعيداً عن الضجة الإعلامية المكثفة عبر وسائل الإعلام العالمية في حينه، وعن اللغط السياسي المضلل في كثير من الأحيان والذي رافق الحدث خلال الأيام الأولى من حدوثه، فإنه يمكن القول أن قرار تنحي الأدميرال البحري الطيار وليم جيه. فالون عن قيادة القيادة الوسطى الأمريكية في هذا الظرف العصيب الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة الخليج العربي بشكل خاص، لم يكن بكل تأكيد قراراً عادياً أو إجراءً روتينياً، سيما وأن الأدميرال فالون لم يُكمِل بعد سوى عامٍ واحدٍ منذ تسلمه هذا المنصب الحساس من سلفه جنرال الجيش المتقاعد جون أبي زيد.

 

وبما أن القيادة الوسطى الأمريكية مسؤولة ميدانياً عن العمليات العسكرية الدائرة حالياً في كل من العراق وأفغانستان، كما انها معنية بصورةٍ مباشرةٍ عن أية عمليات عسكرية محتملة ضد إيران—إذا ما قررت الولايات المتحدة الأمريكية توجيه ضربة عسكرية محدودة أو شن حرب شاملة—خلال الأشهر المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، فإن لهذا التغيير المفاجئ والسريع دلالات قد تكون أعمق بكثير مما يتصوره البعض، مؤيدين أو معارضين من داخل المجتمع الأمريكي، أو من خـارجه. في حين قد تتضح فيما بعد لمراقب الأحداث المتتالية في منطقة الخليج خصوصاً، ومنطقة وسط وجنوب آسيا عموماً، بعض الملامح المتعلقة بتغيير وشيك، وتصعيد كبير في مجال الاستراتيجية الأمريكية، باتجاه تنشيط وتيرة العمليات العسكرية في منطقة المسؤولية التابعة للقيادة الوسطى الأمريكية.

 

وقد يعني ذلك تطبيق أحد أهم بنود تلك الاستراتيجية، ألا وهو إسقاط الأنظمة السياسية غير المرغوب فيها بالقوة العسكرية، وكما حدث قبل نحو خمس سنوات في العراق. وعليه، فإن عملية إقالة أو استقالة الأدميرال فالون—وكلاهما سيان—قد لا تعدو أن تكون نتيجةً لمستجدات بيئة الصراع الداخلي للمنظومة العسكرية الأمريكية، ومنهجيات اتخاذ القرارات المؤثرة على تغيير القيادات العسكرية العليا داخل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). إن الأدميرال فالون قد يكون وقع ضحية ما يسمى بـ"عقيدة الحرب المشتركة الأمريكية" التي ربما أفرزت "لوبياً عسكرياً" مضاداً ورافضاً له، وتألف من كبار القادة في الجيش الأمريكي (القوات البرية)، ومشاة البحرية الأمريكية، لا سيما وأن منصب قائد القيادة الوسطى الأمريكية، مخصص بالأصل لصنفي القوات البرية ومشاة البحرية، ولم يحدث من قبل أن تعين أحد ضباط البحرية الأمريكية بهذا المنصب، قبل الأدميرال فالون. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى قانون "غولدووتر-نيكولاس" المتعلق بالحرب المشتركة وأهمية القدرة على إدارتها، دون هيمنة أحد من قادة القوات البرية أو البحرية أو الجوية أو مشاة البحرية على القرارات المتعلقة بخططها وعملياتها وتكتيكاتها، وذلك على ضوء الدروس المستفادة من فشل عملية القوات الامريكية لتحرير الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران عام 1980، والمسماة "مخلب النسر".

 

عرَّفت بعض الموسوعات العالمية "الحرب المشتركة" بأنها: "عقيدة عسكرية جعلت في مقدمة أولوياتها وضع مختلف صنوف القوات المسلحة بطريقة تكاملية تحت قيادة عسكرية موحدة". ومن هذا المنطلق، استُخدمت الأسلحة والمعدات البرية والبحرية والجوية، متكاملةً و بصورة دائمة، لشن عمليات عسكرية مشتركة على مستوى الدولة، بدلاً من التخطيط المستقل لكل منها، وتنفيذ عمليات عسكرية منفصلة عن بعضها البعض. فالتعاون والتكامل المتزامن بين مختلف أنواع الأسلحة والصنوف في العمليات المشتركة هذه يعطي ميزات كثيرة، لكن أهمها يكمن في توسيع نطاق الإمكانيات القتالية للتشكيلات العسكرية المسلحة تحت قيادة موحدة، وليس تحت قيادات متعددة ومنفصلة.

 

يُذكر كذلك أن العمليات العسكرية المشتركة التي تقوم بها وحدات عسكرية تابعة لدولتين حليفتين أو أكثر، لتنفيذ مهمة عسكرية واحدة (وكما هو الحال في قوات حلف الناتو أو القوات متعددة الجنسيات) تسمى أيضاً عمليات مشتركة. ولعل وحدة القيادة من أهم مرتكزات الحرب المشتركة، ولعلها أيضاً أحد مبادئ الحرب التسعة التي كاد أن يجمع عليها منظرو الحروب منذ فجر التاريخ مروراً بالعصور الوسطى، ثم الحربين العالميتين الأولى والثانية، وصولاً إلى الحروب الحديثة والنزاعات المسلحة في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

يُذكر أن الرئيس الأمريكي جورج واشنطن كان قد غير خمسة قادة عسكريين للجيش الاتحادي (بوتوماك) خلال سنة واحدة إبان الحرب الأهلية الأمريكية، عندما سلَّم قيادة الجيش، ولخامس مرة، إلى الجنرال جورج جي. ميد، وكان ذلك في الثامن من حزيران (يونيو) 1863. من هذا المنطلق يبدو للمتفحص أن السبب الحقيقي العميق لترجل الأدميرال وليم فالون عن صهوة القيادة الوسطى الأمريكية يعود إلى مفهوم "الحرب المشتركة الأمريكية"، أكثر من كونه يعود لقرار سياسي. لا يمكن إنكار أنه السبب المباشر والظاهر للعيان، مع أن السببين شكّلا مع بعضهما فكّي كماشة قصمت ظهر البعير!

 

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 24 نيسان 2008.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©