misbah video cast
misbah projects
new book
إرتفاع قيمة الشيكل الإسرائيلي مقابل الدولار
 
(1 صوت)
الكاتب/ عمر شعبان

شهد النصف الثاني من العام 2006 بداية ارتفاع قيمة صرف الشيكل الإسرائيلي مقابل العملات الصعبة ومن أهمها الدولار واليورو. وقد تواصل هذا الارتفاع، وبمعدلات غير مسبوقة، مع بداية العام الحالي وحتى الآن. حيث هبط سعر الدولار مقابل الشيكل بنسبة 8% في النصف الثاني من العام الماضي وتواصل هذا الهبوط هذا العام حتى وصل إلى اقل من 4 شواكل؛ ما لم يشهده سعر الصرف بين العملتين منذ ثماني سنوات. ونظرا للآثار السلبية التي تترتب عن الارتفاع المتواصل للشيكل مقابل الدولار، فقد اضطر البنك المركزي الإسرائيلي—على غير عادته—إلى التدخل عبر سياسات وإجراءات متعددة، من بينها: تخفيض سعر الفائدة وإيقاف النشرة اليومية لأسعار صرف العملات. 

 

يعزو المراقبون هذا الارتفاع الحاد في قيمة صرف الشيكل مقابل العملات الأخرى إلى أسباب خارجية ذات علاقة بالاقتصاد الامريكي، وأخرى لها علاقة بأداء الاقتصاد الإسرائيلي ذاته في العامين السابق والحالي.

 

تراجع أداء الاقتصاد الأمريكي

 

يعاني الاقتصاد الأمريكي الضخم جدا (أكثر من 10 تريليون دولار) من ارتفاع الدين الداخلي وزيادة العجز التجاري؛ الذي وصل إلى ستين مليار دولار في شهر آذار الحالي. كذلك زادت الفجوة بين الصادرات والواردات بنسبة 10% في نفس الشهر. هذا التدهور كان حادا بدرجة فاقت توقعات المخططين والمحللين الأمريكيين. كذلك ساهم ارتفاع تكلفة فاتورة الحرب في العراق في خلق مشاكل إضافية للموازنة العامة، حيث تم تخصيص موازنة جديدة لتمويلها. 

 

دفعت هذه المؤشرات حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتخاذ إجراءات بهدف كبح التدهور، وذلك من خلال أدوات السياسة المالية والنقدية، ومن بينها: تخفيض قيمة عملتها أمام العملات الأخرى لتعزيز الصادرات ورفع تكلفة الواردات. فمن المعروف أن تخفيض قيمة العملة لدولة ما يعمل على زيادة صادراتها وتخفيض الواردات إليها. إن تخفيض قيمة العملة ورفع/تخفيض سعر الفائدة من أهم السياسات المالية والنقدية التي تتبعها الدول التي تعتمد على التصدير السلعي، كاليابان والصين مثلا. إن معدل صرف عملة ما مقابل العملات الأخرى ليس مرتبطا بقوة الاقتصاد فقط، بل بعوامل أخرى منها الاستقرار، ومعدلات النمو، وآفاق الاستثمار، وحجم الاحتياطي النقدي (مثال على ذلك سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار أقل بكثير من سعر صرف الدينار الكويتي، بالرغم من الفرق الشاسع جدا بين اقتصاديهما).

 

تحسن أداء الاقتصاد الإسرائيلي بدرجة كبيرة

 

شهد العام 2006 نجاحا باهرا للاقتصاد الإسرائيلي حيث عبر عن ذلك النجاح رئيس البنك المركزي ستانلي فيشر في خطابه أمام الكنيست بتاريخ 9 أيار 2007 على أنه "أحد أكثر السنوات نجاحا حيث انعكس هذا النجاح في ارتفاع معدل النمو، انخفاض نسبة البطالة، ارتفاع مستوى العمالة وزيادة الاحتياطي النقدي." تشير معطيات أداء الاقتصاد الاسرائيلي للعام 2006 أنه حقق معدل نمو سنوي زاد عن 5% على الرغم من التدهور الذي يحصل في الربع الثالث من العام ذاته بسبب الحرب على لبنان. معدل النمو المتحقق فاق ما كان متوقعا.

 

كذلك تدفق إلى الاقتصاد الإسرائيلي استثمارات اجنبية مباشرة بقيمة 20 مليار دولار، وهو حجم ضخم من الاستثمارات لم يحققه الاقتصاد الإسرائيلي منذ سنوات طويلة، على الرغم من توصيف بعض المراقبين لهذا الحجم من الاستثمار على انه "استثنائي" حيث نتج عن بيع شركات إسرائيلية ضخمة لمشترين أجانب وليس عن تأسيس مشروعات جديدة.

 

ارتفاع حجم الاستثمارات الاجنبية المتدفقة نتج عنه ضخ كميات كبيرة من الدولار في السوق الإسرائيلي من ناحية، وزيادة الطلب على العملة المحلية من قبل هؤلاء المستثمرين لدفع مرتبات الموظفين، وشراء المواد الخام، وكذلك دفع الضرائب للدولة من ناحية أخرى. كذلك شهد العام 2006 زيادة عدد الشركات الإسرائيلية التي تصدر للولايات المتحدة بنسبة 11%. كما انخفضت نسبة البطالة في العام 2006 إلى مستوى 8.4% بعد أن كانت 9.0% و10.4% في عامي 2005 و2004.

 

ومن المؤشرات الايجابية الأخرى التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي ارتفاع قيمة الصادرات السلعية، حيث بلغت 40 مليار دولار عام 2006، بعد أن كانت 36 و33 مليار خلال العامين 2005 و2004 على التوالي.

 

الآثار المترتبة

 

إن الارتفاع المتواصل لقيمة عملة محلية مقابل العملات الصعبة يحدث آثارا إيجابية وسلبية في نفس الوقت: فهو ليس شرا مطلقا ولا خير مطلق؛ هو عملية حيوية تفاعلية ينتج عنها آثار مختلطة، وفي اتجاهات مختلفة. تعتمد طبيعة الإجراءات التي يمكن لحكومة ما اتخاذها—إن رغبت—على الفلسفة الاقتصادية والتنموية والأهداف المخطط تحقيقها. لذا فقد سبب الارتفاع الحاد لقيمة الشيكل مقابل الدولار قلقا وتخوفا كبيرين لرئيس البنك المركزي الاسرائيلي، ستانلي فيشر، والقطاعات الاقتصادية الأخرى، من النتائج التالية:

 

  • ارتفعت نسبة التضخم عن المعدلات الطبيعية مما سيرفع الأسعار ويتطلب ذلك رفع مستوى الأجور مما سيدفع إلى مزيد من الاضطرابات العمالية المطالبة بالتعويض. ومن المعروف أن الاقتصاد الإسرائيلي استطاع الحفاظ على نسبة تضخم متدنية جدا تراوحت بين 1-3% في الأعوام الثلاثة الماضية على الرغم من التحسن الكبير الذي حققه في هذه السنوات.
  • تدهور كمية وقيمة الصادرات حيث يصبح المشتري للصادرات بحاجة إلى دولارات أكثر لشراء نفس المنتج وتصبح السلع المستوردة أكثر تنافسية في السوق المحلي حيث يصبح المستورد بحاجة إلى وحدات مالية أقل لسداد قيمة الواردات.
  • إرباك السوق المحلي، وسوق الأوراق المالية، والجهاز المصرفي ومنحنيات الادخار الاستثمار والاستهلاك، حيث أن الانخفاض الحاد للعملة الأجنبية يجعل من الصعب توقع المنحى الذي سيسلكه الاقتصاد على المديين القصير والمتوسط، على سبيل المثال: موظفو الدولة الذين يتقاضون مرتباتهم بالعملة المحلية ويشترون سلعهم المعمّرة مثلا بعملات أخرى؛ الموردون والمقاولون الذين يبيعون الحكومة بالعملة المحلية ويدفعون مقابل ذلك بالعملة الصعبة؛ المقترضون من البنوك المحلية بالعملات الصعبة؛ سوق العقارات؛ وكذلك تحويلات العاملين بالخارج بالعملة الصعبة ليتم التصرف بها بالعملة المحلية فيما بعد.

فلسطينيا فقد أحدث ارتفاع قيمة الشيكل مقابل الدولار إرباكا شديدا لدى المجتمع الفلسطيني نظرا لعلاقة الانكشاف والتبعية التي تربطه بالاقتصاد الاسرائيلي. حيث بقي المجتمع الفلسطيني بكافة شرائحه حائرا، غير قادر على تفسير ما حدث أو كيفية مواجهة آثاره السلبية خاصة في ظل عدم قيام سلطة النقد الفلسطينية بتفسير ما حدث أو تقديم النصائح لمواجهة أو تخفيف الأضرار.

 

إن ضعف الاقتصاد الفلسطيني، وعدم أحقية السلطة الوطنية في إصدار عملة وطنية خاصة بها، وبالتالي عدم أحقية سلطة النقد الفلسطينية في ممارسة مهام البنك المركزي، كل ذلك جعل من المواطن الفلسطيني فريسة سهلة لعلاقة التبعية للاقتصاد الاسرائيلي. 

 

وتجنبا لحدوث المزيد من الأضرار على الاقتصاد الإسرائيلي، فقد تدخل البنك المركزي الاسرائيلي—وللمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاما—بتخفيض سعر الفائدة بنسبة 0.25% لتصبح   3.75% لتشجيع الناس على الاقتراض. من الجدير ذكره هنا أن العام 2002 كان الاسوأ على الاقتصاد الإسرائيلي، إذ حقق نموا سلبيا للمرة الأولى في تاريخه. ويعزو كثير من المراقبين ذلك إلى تراكم الآثار السلبية للانتفاضة الفلسطينية التي قامت في أيلول 2000، مما تطلب استدعاء ستانلي فيشر من الولايات المتحدة.

 

يعزو المراقبون القفزة النوعية التي شهدها الاقتصاد الإسرائيلي إلى هذا الرجل الذي عرف عنه بأنه "رجل الأزمات" نظرا لما يتمتع به من خبرة وحكمة إبان عمله في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومصارف مالية ضخمة. وقد تم تعيينه في 1 أيار 2005 من قبل رئيس الوزراء السابق شارون وبتزكية وزير ماليته في حينه، بنيامين نتنياهو، رغم بعض اعتراضات كبار موظفي وزارة المالية ممن كانوا يطمحون إلى هذا المنصب. وهذا مثال للدول العربية بشكل عام والسلطة الوطنية الفلسطينية بشكل خاص لكي تعتمد معيار الكفاءة والالتزام والتواضع، وليس معيار الموالاة والمحاصصة السياسية الفئوية في ملئ مثل هذه المناصب.

 

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 11 حزيران 2007.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:


اسباب ارتفاع وانخفاض الدولار
فيروز
اشكركم على هذه المقالة التي ساعدتني في كتابة الابحاث

 


Developed & Designed by MediaPlus ©