misbah video cast
misbah projects
new book
الطريق الشيوعية للاستعباد الذاتي
 
(2 أصوات)
الكاتب/ كارل آر. بوبر

لم يساهم أي مفكر نظري في سقوط الشيوعية –أو الاشتراكية- مثلما ساهم فيه فريدرك أوجست فون هايك. وقد فعل ذلك بأقصى فعالية في كتابه الصغير بعنوان "الطريق إلى الرق"، الذي نشر أول ما نشر في عام 1944، عندما كانت نهاية الحرب العالمية الثانية تلوح بالأفق. وقد اتبع ذلك بالعديد من المؤلفات، ما بين كتب ومقالات. كان أهم تلك المؤلفات مؤلف بعنوان "دستور الحرية" الذي نشر في عام 1960، والمجلدات الثلاثة بعناوين "القانون، والتشريع والحرية"، والتي نشرت ما بين سنوات 1973 و1979. وعندما كان في سن 89 نشر بمساعدة من دبليو. دبليو. بارتلي، كتاباً ناجحاً جداً بعنوان "الغرور القاتل" والذي نشر عام 1989. هذه الكتب تشكل مجموعة تتسم بتميز علمي فائق، كما أنها في الوقت ذاته كانت ضربات موجعة ضد النظم الشمولية الاستبدادية. وقد أسهمت كثيراً في سقوط حائط برلين الذي شيد في عهد خروتشوف، وكذلك سقوط ستار ستالين الحديدي.

بيد أن هايك لم يحصر نفسه في كتابة هذه الكتب السياسية ذات الأثر القوي الذي يدعو إلى الدهشة. ومع أنه كان عالِماً عظيماً وإنساناً مُميّزاً، متحفظاً في نمط معيشته وتفكيره وتعليمه، وعزوفاً عن اتخاذ نشاطات سياسية، فقد أنشأ بُعيد الحرب العالمية الثانية بقليل، جمعية "مونت بيليرين". كان الهدف من إنشائها إقامة توازن مقابل الأعداد التي لا حصر لها من المفكرين، الذين اختاروا الاشتراكية. وقد شعر هايك بأن المطلوب هو أكثر من مجرد كتابة أبحاث وكتب. لذا، فقد أسس جمعية من المفكرين وعلماء الاقتصاد العمليين، الذين كانوا معارضين للتوجه الاشتراكي السائد بين غالبية من المفكرين الذين آمنوا بمستقبل اشتراكي. وقد أسست الجمعية في سويسرا عام 1947 على جبل بيليرين، المطل على الشاطئ الجنوبي لبحيرة جنيف. وقد تشرفت بأن أكون أحد الذين دعاهم هايك ليكونوا المؤسسين لهذه الجمعية. ومن بين المؤسسين الذين ما زالوا على قيد الحياة ميلتون فريدمان وآرون دايركتر. ما زالت هذه الجمعية قائمة؛ وعلى امتداد سنوات طويلة كان لها تأثير كبير داخل صفوف المفكرين، وبالأخص علماء الاقتصاد من بينهم. لقد كان أول وربما أعظم إنجازاتها، هو تشجيع أولئك الذين كانوا يحاربون نفوذ جون مينارد كينز، الذي كان مهيمناً ومدرسته الاقتصادية. ومع ذلك، وحيث أنني لست عالم اقتصاد، فإنني ربما لست مؤهلاً لتقييم التأثير التاريخي الذي كان لجميعة مونت بيليرين. هذه مهمة –أعتقد أنها ذات أهمية- يتولى أمرها مؤرخو المستقبل فيما يتعلق بالنظريات والسياسات الاقتصادية. ومع ذلك، ومن منطلق موقعي لسنوات طويلة عضواً في جامعة لندن للاقتصاد، فقد كان متاحاً لي مشاهدة التقلص المستمر للتعاليم اليسارية، والتي كانت في السنوات القليلة الأولى بعد الحرب، تتمتع بنفوذ هائل.

وتستدعيني العدالة أن أوضح بأن الحركة، التي أطلقها هايك في كتابه "الطريق إلى الرق"، كان لها سابقة مهمة. إنني أشير إلى أستاذ هايك لودفيغ فون ميزس، الذي قابلته لأول مرة في فيينا في أوائل عام 1935، بسبب اهتمامه بكتابي الأول. وقد قابلت هايك بعد حوالي ستة أشهر في لندن. لقد كان ميزس هو الذي قدم أول وأعمق انتقاد عصري للاشتراكية: أن الصناعة الحديثة تقوم على قواعد السوق الحر، وأن الاشتراكية، وبالأخص التخطيط الاشتراكي يتعارض مع اقتصاد السوق الحر، وبالتالي فإن مصيره الفشل. (كان التخطيط الاشتراكي آنئذ، أكثر الشعارات رواجاً واستثارة في الدوائر الفكرية). كانت نظرية لودفيغ فون ميزس، كما يستطيع كل إنسان أن يرى اليوم، ذات أهمية جوهرية. كان هايك مقتنعاً، بل، ربما كان مؤمناً، كما قال لي هو نفسه، بأنه مثلي، كان في أيام شبابه ميالاً إلى الاشتراكية، وربما أشار إلى ذلك في بعض مؤلفاته. ومن المفيد أن نتذكر، بأن هايك كان من أوائل من أخذوا على عاتقهم نظرية ميزس البالغة الأهمية، وتطويرها تطويراً كبيراً، والذي أضاف إليها نظرية ثانية ذات بعد مهم ألا وهو الإجابة على السؤال: ماذا يحدث إذا ما حاولت حكومة قوية إدخال اقتصاد اشتراكي أي "تخطيط اشتراكي"؟ وكان الجواب هو: لا يمكن أن يتم ذلك إلا بالقوة، بالإرهاب، بالاستعباد السياسي. هذه النظرية الثانية، التي لا تقل أهمية عن الأولى هي، في حدود علمي، من إنتاج هايك؛ وكما أن النظرية التي سبقتها والتي وضعها لدفيج فون ميزس، قد قبلها هايك على الفور، فإن ميزس بدوره قبل نظرية هايك في الحال.

أود أن أقول مرة أخرى أنا لست عالم اقتصاد، كما أنني لست مؤرخاً للنظريات الاقتصادية؛ والملاحظات التاريخية التي أبديتها، ربما لا تثبت صحتها عندما تتم دراسة جميع الوثائق التاريخية، وبالأخص المراسلات. ومع ذلك، فقد يكون من الأمور اللافتة للنظر، أن الأمور قد بدت على الوجه الذي ذكرته لواحد وإن لم يكن عالم اقتصاد، فإنه ليس خارج الإطار أيضاً.

كان لودفيغ فون ميزس، بعد هايك، بطبيعة الحال، أهم عضو مؤسس لجمعية مونت بيليرين. كنت على الدوام في منتهى الإدراك لمساهمة ميزس الجوهرية المطلقة، وقد كنت معجباً به إعجاباً كبيراً. أود أن أؤكد على هذه النقطة ذلك لأن كلينا، هو وأنا، كنا ندرك الهوة الكبيرة التي تفصل بين وجهات نظرنا، في ميدان نظرية المعرفة والمنهجية. أظن أن ميزس كان يراني خصماً خطراً –ربما شخصاً سلب منه التوافق المطلق مع أعظم تلاميذه، هايك. كانت منهجية ميزس، بإيجاز، نظرية ذاتية غير موضوعية، وقادته إلى ادعاء الحقيقة المطلقة بالنسبة لمبادئ علم الاقتصاد. كانت منهجيتي موضوعية، وساقتني إلى وجهة النظر القائلة بأن العلم غير معصوم من الخطأ، وأنه قابل للنمو عن طريق النقد الذاتي والتصحيح الذاتي؛ أو، بتوضيح أعم عن طريق طرح الفكرة ومحاولة دحضها. لقد كنت أحترم ميزس الذي يكبرني سناً بكثير، بحيث لم يكن من المجدي الدخول في مواجهة معه. لقد كان يكلمني بين الحين والحين، ولكنه لم يذهب أبداً، أبعد من الإشارة إلى وجود خلاف في الرأي. إنه، في الحقيقة، لم يبدأ أبداً نقاشاً حقيقياً ينطوي على الانتقاد المباشر. ومثلما هو أنا، فقد كان يُقدّرُ وجود أرضية مشتركة بعض الشيء، وكان يعرف بأنني قد قبلت أكثر نظرياته أهمية، وأنني كنت كثير الإعجاب به بسبب ذلك. ولكنه أوضح، بالتلميحات، بأنني شخص خطر، على الرغم من أنني لم أنتقد آراءه أبداً حتى في علاقتي مع هايك؛ وأنني الآن أيضاً، لا أرغب أن أفعل ذلك، ومع ذلك، فقد ذكرت لعدة أشخاص في غضون ذلك، حقيقة اختلافي معه، ولكن دون الدخول في حوارات نقدية. يكفي ما ذكرت بالنسبة لتلك الأيام الخوالي.

إمبراطورية تحكمها الأكاذيب

أود الآن أن أذهب خطوة أخرى متجاوزاً تلك الأيام، وأن أرسم معالم النظرية التي تقوم عليها هذه الدراسة؛ إنها كما يلي.

إن زوال الاتحاد السوفييتي يمكن تفسيره في آخر المطاف بأنه نتج عن انهيار اقتصادي، نتيجة غياب اقتصاد السوق الحر؛ أي نتيجة ما أسميته بالنظرية الأولى التي وضعها ميزس. ولكنني أعتقد بأن النظرية الثانية ألا وهي نظرية العبودية التي وضعها هايك، هي حتى أكثر أهمية لفهم ما قد جرى، وما زال يجري، في الإمبراطورية السوفييتية السابقة. ذلك أن لهذه النظرية تتابع أو ملحق. ويمكن إجمالها كما يلي:

الطريق إلى الرق يقود إلى اختفاء النقاش الحر والعقلاني؛ أو بعبارة أخرى، السوق الحرة للأفكار. ولكن ذلك يترك أشد المؤثرات المدمرة على كل إنسان، بما في ذلك من يُسمّون بالقادة.

إنها تؤدي إلى مجتمع تكون فيه العبارات الفارغة سيدة الموقف. تعابير تتشكل في معظمها من أكاذيب تصدر عن قادة لا لسبب وجيه في معظم الحالات، بل لتأكيد الذات وتمجيدها. ولكن ذلك مؤشر على نهاية قدرتهم على التفكير. إنهم أنفسهم يصبحون عبيداً لأكاذيبهم، مثل الآخرين. إنها كذلك، نهاية قدرتهم على الحكم. إنهم يختفون حتى وإن كانوا مستبدين.

بطبيعة الحال، هذه أيضاً مسائل تعود، إلى حد كبير، إلى قدرات الأفراد الشخصية. ولكنني أعتقد بأنها تتوقف بالدرجة الأولى على طول الفترة الزمنية للاستعباد. إن القبول بالأكاذيب كعملة فكرية عالمية تطرد الحقيقة مثلما تطرد العملة المزيفة العملة الصحيحة.

غورباتشوف كان أول سكرتير عام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي يقوم بعدة زيارات شخصية إلى الغرب. أعتقد أن من غير المحتمل أن يكون قد فهم كثيراً في زيارته الأولى أو الثانية. ولكنه أحب الاستقبال الذي قوبل به وعاد المرة تلو المرة. وبعدها لاحظ شيئاً. إنني لا أعني بأن الغرب غني وأن العامل الأمريكي كان أحسن حالاً بما لا يقبل المقارنة، مع العامل السوفييتي. أعني أنه لاحظ بأن الإمبراطورية السوفييتية لم تكن "بلداً طبيعياً"، كما عبر عن ذلك هو نفسه عندما قال بأنه يأمل بأن يجعل من روسيا السوفييتية "بلداً طبيعياً". فقد لاحظ بشكل ما، وربما في عقله الباطني بأن إمبراطوريته نفسها تعاني من نوع من المرض العقلي المكبوت، كما كانت في الحقيقة والواقع، وكذلك الحال مع جميع قادتها. لقد كان الحكم قائماً على الأكاذيب.

إن فقدان الحرية نتيجة الخوف الدائم من الإرهاب، هو في الحقيقة أمر مفجع، والذي يفقد الذين يعيشون في ظله، من جزء من إنسانيتهم؛ ومن مسؤوليتهم الفكرية وكذلك، من جزء من مسؤوليتهم الأخلاقية. أولاً، إنهم لا يستطيعون الاحتجاج عندما يتطلب الموقف منهم ذلك؛ ثم إنهم لا يستطيعون المساعدة حيث يتوجب أن يساعدوا، ولا حتى لأصدقائهم. فإبان حكم ستالين كان هذا الحال ينطبق على كل إنسان، حتى أولئك الذين كانوا في قمة هرم السلطة. فجميع التفكير الواقعي والحقيقي، وجميع التفكير الذي لا ينطوي على الكذب، على الأقل ضمن هيكل السلطة، كان مُرَكّزاً على ضمان البقاء الشخصي. وقد تبدت صورة عن ذلك الوضع –وإن لم تكن تكشف الحقيقة كاملة- في خطاب خروتشوف الجامع (الذي نشرته وزارة الخارجية الأمريكية) في 4 حزيران 1954 والذي ينتهي بمقولة "فلنعش الراية المتصورة لحزبنا – اللينينية". (تصفيق صاخب متواصل انتهى بالهتاف وقوفاً).

ولكن، وكما يعرف جميعنا، تم الانقلاب سريعاً على خروتشوف من قبل بيروقراطية الحزب، وقد عجَّل خروجه في التراجع الفكري لهرم السلطة في الحزب الشيوعي، داخل الإمبراطورية وخارجها. وعلى الرغم من التعليم الإجباري للأيديولوجية الماركسية–اللينينية المعقدة، بما في ذلك فلسفة يطلق عليها الديالكتيكية (الجدلية) المادية، فكل ما بقي من تلك النظرية هو الآتي من تلك العقيدة، (وأنا هنا أنقل عن "خروتشوف يتذكر"): "إن تصفية النظام الرأسمالي هو المسألة الرئيسية في تطور المجتمع".

تدمير الرأسمالية – والعالم

كثيراً ما يصف علماء الاقتصاد مجتمعاتنا الغربية "بمجتمعات رأسمالية"، ويعنون "بالرأسمالية" مجتمعاً يستطيع الناس فيه شراء وبيع المنازل والأراضي والأسهم بحرّية؛ وإذا ما رغبوا في ذلك، أن يغامروا بوفوراتهم في سوق الأوراق المالية "البورصة". ولكنهم ينسون بأن مصطلح رأس مال قد أصبح مصطلحاً شائعاً من خلال ماركس والماركسية، وأنه في التعابير الماركسية، فإنها تعني شيئاً آخر. ففي اللغة والنظرية الماركسية، الرأسمالية هي نظام اجتماعي يستعبد جميع الناس، عن طريق الإطباق عليهم في مخالبه –ليس فقط العمال ولكن، أيضاً الرأسماليين؛ فجميعهم مرغمون بآلية الرأسمالية لعمل ما يجب أن يعملوا، وليس ما يرغبون في عمله، إنهم مرغمون على ذلك. وتفسر الرأسمالية كآلية اقتصادية لها آثار أقصى ما تكون بشاعة، ولا يمكن الانعتاق منها: شقاء متواصل للعمال، وتحويل غالبية الرأسماليين إلى طبقة عمالية كادحة. ففي صراع المنافسة "يقوم رأسمالي بقتل كثيرين غيره" كما يقول ماركس. ويصبح رأس المال مُركّزاً في أيدي قليلة جداً –عدد قليل من أصحاب الثراء الفاحش، تقابلهم أعداد هائلة من طبقة البروليتاريا البائسة والجائعة. هكذا يتصور ماركس الرأسمالية.

من الواضح تماماً أن مثل هذه "الرأسمالية" لم تتواجد أبداً. لقد كانت خداعاً في الرؤية –لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك، فمثل ذلك الخداع في الرؤية، قد ترك آثاره على الجنس البشري على امتداد التاريخ.

لقد كانت مهمة الحزب الماركسي العظمى، مهمة السياسة الماركسية، قتل أو تصفية هذا النظام الاجتماعي الموهوم. تهيأت الفرصة لدى خروتشوف لعمل ذلك. وكان الخط هو قنبلة أندريه ساكاروف الكبيرة. كان ساكاروف وقتها 39 سنة، وكان قد أمضى سنوات عديدة، وواجه العديد من أنصاف الفشل، في بناء قنبلة ذرية تكون أقوى بمراحل من القنبلة الأمريكية. وفي خريف عام 1961 نجح: فقد جاءت نتيجة تجربة قنبلته الكبيرة، إيجابية. لقد كانت القنبلة كما كتب "أقوى عدة آلاف المرات من القنبلة التي ألقيت على هيروشيما". فقط فكِّر بما يعني هذا: كانت هيروشيما قبل ضربها مدينة يقطنها أكثر من 340000 نسمة. فهل يعني عدة آلاف مرات أقوى، أن منطقة كثيفة السكان يقطنها 340 مليون نسمة أو أكثر، يمكن تدميرها بقنبلة واحدة؟ أكثر كثيراً من عدد سكان الولايات المتحدة؟ ربما لا: لا يوجد في العالم مثل هذه الكثافة السكانية. وفي جميع الأحوال، فإن أية منطقة كثيفة السكان في العالم يمكن تدميرها كلياً بمثل تلك القنبلة الواحدة.

ويبدو أن خروتشوف كان في بلغاريا عندما سمع بنجاح تجربة قنبلة ساكاروف الكبيرة. وقد كتب في مذكراته "خروتشوف يتذكر" لعام 1971 ما يلي: "لقد كان خلال زيارتي إلى بلغاريا أن تكونت لدي فكرة وضع صواريخ ذات رؤوس نووية في كوبا، دون إفساح المجال أمام الولايات المتحدة لمعرفة أنها وضعت هناك إلا بعد فوات الأوان لعمل أي شيء إزاء ذلك". لقد كانت فكرة جنونية. ففي الوقت الذي كان عليه إعادة نقلها، كان قد سبق نقل 38 صاروخاً نووياً، كل واحد منه يعادل عدة آلاف المرات، القنبلة التي ألقيت على هيروشيما. وإذا افترضنا أن "عدة" تعني مجرد ثلاثة صواريخ: فإن ذلك يعني 114000 قنبلة من قنابل هيروشيما. لحسن الحظ، لم تكن تلك القنابل قد اكتمل تأهيلها بعد. ويقول خروتشوف، بطبيعة الحال، "عندما وضعنا صواريخنا البالستية في كوبا، لم تكن لدينا رغبة في إشعال حرب". إنني أصدقه: فلم تكن رغبته إشعال حرب، بل إلغاء 150000 ألف قنبلة هيروشيمية في ضربة واحدة؛ ذلك أن 12 أو أكثر من الصواريخ والقنابل البالستية كانت في طريقها إلى كوبا. وقد كتب يقول: "لا أظن أن أمريكا قد واجهت أبداً مثل هذا التهديد الحقيقي في الدمار، كما واجهت في تلك اللحظة". أنا أوافق. وفي الحقيقة، فقد كانت أخطر تهديد للبشرية في تاريخها حتى ذلك الحين. كان باستطاعة خروتشوف تدمير أمريكا بضربة واحدة. ولكن، وعلى الرغم من الجراح القاتلة التي تكون قد نزلت، فإن صواريخ الولايات المتحدة كانت ستنطلق أيضاً، وكانت ستدمر روسيا أيضاً، والنتائج، وبالأخص الإشعاعات، كانت ستدمر البشرية جمعاء.

بيد أن خروتشوف خسر. ولما كانت الولايات المتحدة كاملة التسلح، فقد خسر الاتحاد السوفييتي السباق، ورفع شيفرنادزيه العلم الأبيض. وفي تلك الحالة، سمحت هنغاريا بخروج الشباب من ألمانيا الشرقية. واضح أن الوضع جعل من المستحيل على غورباتشوف أن يتدخل وهكذا جاء انهيار ألمانيا الشرقية، وكل شيء تبع ذلك.

كل ذلك بسبب أن مهمة الماركسية كانت تصفية جحيم رأسمالي لم يكن موجوداً أصلاً. ويمكن للمرء أن يقول بأن الماركسية قد سقطت في حفرة فكرية سوداء عميقة –في صفر تام من الخيال.

يجب أن نأخذ العبرة مما حدث، كإنذار لما يمكن لآيديولوجية أن تحقق. ومن الواضح أن الخطر لم يزل بعد. تحتاج المسألة إلى مسؤولية فكرية لإنقاذنا من ذلك.

حكم القانون

بالنسبة لجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، لا يمكن لأي تخطيط اقتصادي تقوم به الدولة أن يساعد. المساعدة التي تحتاج إليها لن تأتي من علماء الاقتصاد، ولا حتى من هايك، عالم الاقتصاد. وإنما يمكن أن تأتي فقط من هايك، الفيلسوف السياسي.

لا يتوجب على أية دولة أن تبني نظاماً اقتصادياً ناجحاً. ولكن، يتوجب على كل دولة واجب إقامة حكم القانون. نستطيع أن نتعلم هذا من هايك. لم يكن هنالك حكم قانون في الاتحاد السوفييتي، ولا يوجد مثل هذا القانون حتى الآن؛ ولا توجد قوانين مقبولة وصالحة للتطبيق، كما لا يوجد قضاة مقبولون؛ هنالك فقط رواسب من حكم الحزب، وهنالك قضاة ارتباطاتهم بالحزب. وما دام الوضع على ما هو عليه، فليس هنالك فرق بين الشرعية والإجرام. يتوجب الآن بناء حكم القانون من نقطة الصفر. ففي غياب حكم القانون، الحرية تصبح مستحيلة، وبدون حكم القانون يصبح اقتصاد السوق الحر أمراً مستحيلاً. إن هذا الجانب من أعمال هايك، هو أكثر الأمور إلحاحاً وحاجة في الاتحاد السوفييتي السابق.

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 6 آذار 2006.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©