misbah projects
new book
المنافسة كإجراء اكتشافي
 
(2 أصوات)
الكاتب/ فريدرك إي. هايك

أولاً:

لن يكون من السهولة بمكان الدفاع عن كبار علماء الاقتصاد ضد التهمة الموجهة إليهم في أنهم كانوا، وعلى مدى أربعين أو خمسين عاماً، يتفحصون التنافس وينظرون إليه من افتراضات تجعل التنافس، إن كانوا صادقين حقاً، شيئاً مملاً عديم الفائدة. إذا ما عرّف حقاً أحدٌ ما كل شيء، كلما حددته النظرية الاقتصادية على أنه "بيانات"، ستكون المنافسة طريقة مسرفة لضمان الالتزام بهذه الحقائق والتكيّف معها. لذلك، فليس من المثير للاستغراب أيضاً أن بعض المؤلفين قد استنتجوا أن بوسعنا إما أن نترك السوق ونهجره، أو أن نعتبر نتائجه في أقصى تقدير مجرد خطوة أولى باتجاه خلق منتجٍ اجتماعيٍٍ نستطيع بعد ذلك أن نتعامل معه، أو نصححه، أو نعيد توزيعه بالطريقة التي نحب. أما بعض المؤلفين الآخرين، ممن استمدوا فكرتهم عن المنافسة من النصوص أو الكتب المنهجية الحديثة حصراً، فقد استنتجوا أن مثل هذه المنافسة غير موجودة على الإطلاق.

وعلى العكس من ذلك، من المفيد جداً أن نتذكر أنه أينما نستطيع الاستفادة من المنافسة، فان ذلك يمكن فقط أن يُبرَّر بعدم معرفتنا للظروف الأساسية التي تحدد سلوك المتنافسين. ففي الأحداث الرياضية –مثلاً– أو الامتحانات، أو منح العقود الحكومية، أو في منح الجوائز الشعرية، ناهيك عن العلوم وغيرها، سيكون من غير المعقول –أو من السخف الواضح– أن نتبنى مسابقة نعرف سلفاً من الذي سيفوز فيها. لذلك، وكما يدل عنوان هذه المحاضرة (ويقصد المقال الحالي) أرغب الآن -وبشكل نظامي- في تفحص المنافسة والتمعن فيها بوصفها إجراءاً لاكتشاف الحقائق التي ستبقى مجهولة، أو على الأقل غير مستخدمة، دون وجود هذا الإجراء.

قد يبدو واضحاً للوهلة الأولى أن المنافسة تتضمن دائماً مثل هذا الإجراء الإكتشافي حتى أن ذلك قلّما يستحق التأكيد. وعندما يتم التأكيد على ذلك بوضوح، على كل حال، فسرعان ما يتم الوصول إلى استنتاجات غير واضحة على الإطلاق. أولى هذه الاستنتاجات هي أن المنافسة مهمة فقط على قدر تعلق الأمر بنتائجها، ولأن تلك النتائج غير متوقعة، وتختلف تماماً عن تلك التي كان كل فرد قادراً على السعي إليها بكامل الوعي، وأن تأثيراتها المفيدة يجب أن تُظهر نفسها من خلال إفشال بعض النوايا وإحباط بعض التوقعات.

أما الاستنتاج الثاني، وهو مرتبط بالأول على نحو وثيق، فهو منهجي (أو طرائقي) في طبيعته. يتمتع هذا الاستنتاج بأهمية خاصة حيث أن له ارتباط أو اشارة إلى السبب الرئيسي وراء فقدان نظرية الاقتصاد الجزئي –وهي تحليل التفاصيل الحسنة لبنية الاقتصاد التي تستطيع لوحدها أن تعلّمنا فهم دور المنافسة– للكثير من سمعتها خلال العشرين أو ثلاثين عاماً الأخيرة، فبدت نتيجة لذلك غير مفهومة إطلاقاً –في واقع الأمر– حتى من قبل هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مُنظّري اقتصاد. ولهذا السبب أود أن أبدأ هنا ببعض الكلمات عن الخصوصية المنهجية لكل نظرية منافسة تجعل الاستنتاجات المستقاة منها تبعث على الشك لدى هؤلاء الذين عادة ما يقررون الأشياء التي هم على استعداد لتمييزها على أنها أشياء علمية، على أساس معيار مبسط بشكل كبير.

إن السبب الوحيد الذي يجعلنا نستخدم المنافسة يمتلك -كنتيجة ضرورية له- الحقيقة القائلة بأن صدق نظرية المنافسة لا يمكن إثباته بالأدلة القاطعة على الإطلاق في تلك القضايا التي تتمتع فيها (أي المنافسة) بأهمية كبيرة. من الممكن بالطبع التحقق من النظرية وإثباتها بالتجربة، وفقاً للنماذج النظرية المدركة سلفاً، كما أننا أيضاً نستطيع من حيث المبدأ إثبات النظرية، بشكل معقول، والتحقق منها في مواقف مصطنعة تكون فيها كافة الحقائق التي يراد للمنافسة أن تكتشفها معروفة مسبقاً لدى المراقب. في مثل هذه المواقف، تكون نتيجة التجربة، على كل حال، ذات أهمية قليلة، بل إنها ربما لا تستحق حتى كلفة إجراء التجربة. وعندما لا نكون على علم مسبق بالحقائق التي نريد اكتشافها بمساعدة المنافسة، سنكون غير قادرين أيضاً على تحديد مدى فاعلية المنافسة وقيادتها إلى اكتشاف كافة الظروف ذات العلاقة التي يمكن ان تُكتَشَف. كل ما يمكن التحقق منه بالدليل القاطع أو بالتجربة هو أن المجتمعات التي تستخدم المنافسة لأجل هذه الغاية يدركون هذه النتيجة إلى مدى أبعد مما تدرك المجتمعات الأخرى –وهو سؤال أجاب عنه تأريخ الحضارة بالإيجاب وبشكل تأكيدي، كما يبدو لي.

إن الحقيقة الفضولية القائلة بأن محاسن المنافسة لا يمكن التحقق منها بالتجربة، وعلى وجه التحديد، في تلك الحالات التي تكون فيها (المنافسة) مهمة، هي حقيقة تشترك فيها أيضاً إجراءات الاكتشاف في العلوم بشكل عام. إن فوائد الإجراءات العلمية المؤسسة لا يمكن التحقق منها وإظهارها بشكل علمي فهي تدرك فقط لأنها قدمت فعلاً نتائج أفضل من الإجراءات البديلة.

إن الفرق بين المنافسة الاقتصادية والإجراء العلمي الناجح هو أن الأول يعرض طريقة لاكتشاف بعض الظروف المؤقتة المعينة، بينما يبحث العلم عن اكتشاف شيء عادة ما يكون معروفاً على أنه "حقائق عامة" بمعنى انتظام في الأحداث، وهو معني بالحقائق الفريدة المحددة فقط على قدر ميل تلك الحقائق نحو دحض أو إثبات نظرياتها. وطالما أن هذه المسألة ذات سمات عامة وثابتة لعالمنا، فإن لدى الاكتشافات العلمية وقتاً كافياً لإظهار قيمتها، بينما تكون فائدة بعض الظروف المعينة التي تكشفها المنافسة الاقتصادية مؤقتة إلى حد ما. سيكون من السهل تفنيد النظرية ذات الطريقة العلمية والإساءة إليها من خلال ملاحظة أنها لا تقود إلى تنبؤات حول بعض النتائج المعينة لعملية السوق. وعلى كل حال، فمن طبيعة الأشياء، نجد أن نظرية السوق غير قادرة على إنجاز ذلك في جميع القضايا التي يكون فيها استخدام المنافسة شيئاً معقولاً. وكما سنرى، إن القوة التنبؤية لهذه النظرية تكون مقتصرة بالضرورة على التنبوء ذي نوع النظام البنيوي أو النوع المطلق الذي سوف يحدث، ولكنها على كل حال، لا تصل إلى التنبؤ ببعض الاحداث المعينة.

ثانياً:

أود هنا إضافة بعض الكلمات عن تبعات خيبة الأمل أو الإحباط في نظرية الاقتصاد الجزئي التي حدثت عن طريق استخدام المعايير المنهجية الخاطئة في الفلسفة العلمية، على الرغم من أن (كلماتي هذه) ستقودني إلى الابتعاد قليلاً عن نقطتي الرئيسية. ربما كان هذا الإحباط السبب الرئيس وراء رفض الكثير من علماء الاقتصاد لها (أي للمنافسة) مفضلين ما يسمى بنظرية الاقتصاد الكلي التي تبدو متوافقة مع معايير الفلسفة العلمية، طالما أنها تهدف الى التنبؤ باحداث مادية ملموسة. ولكنها، في أرض الواقع، تبدو لي أقل علمية بكثير، ففي أضيق المعاني وأكثرها تحديداً، هي لا تستطيع حقاً أن تدّعي أنها علم نظري.

إن أساس وجهة النظر هذه هو الاتهام الموجه إلى البنية الصلبة أو الجامدة للاقتصاد بأنها لا يمكن أن تُظهر انتظامات إلا وكانت نتائج للبنية الدقيقة، وأن تلك المجاميع (حواصل الجمع الإجمالية) أو القيم المتوسطة —وهي الوحيدة التي لا يمكن فهمها واستيعابها إلا على نحو إحصائي– لا تعطينا أية معلومة عما يحدث في البنية الدقيقة. تبدو الفكرة القائلة بأننا لا بد أن نصوغ نظرياتنا على نحو يجعلها قابلة للتطبيق المباشر على الكميات الإحصائية المنظورة أو الكميات القابلة للقياس الأخرى، تبدو لي هذه الفكرة خطأ منهجياً سيؤدي إلى عرقلة تطور العلوم الطبيعية بشكل كبير إن اتبعته. إن كل ما نستطيع أن نطلبه من النظريات، بعد إدخال المدخلات ذات العلاقة من البيانات فيها، هو أن يمكن حينها اشتقاق بعض الاستنتاجات منها، الاستنتاجات التي يمكن التحقق منها في أرض الواقع. غير أن حقيقة أن هذه البيانات المادية متنوعة وواسعة ومعقدة جداً في مجال بحثنا بحيث لا نستطيع أخذها جميعاً بالحسبان، لهي حقيقة لا يمكن تغييرها، ولكنها ليست عيباً أو نقصاً في النظرية. من نتائج هذه الحقيقة أننا نستطيع اشتقاق العبارات العامة جداً أو "التنبؤات النمطية" –كما أطلقتُ عليها في مكان آخر– فقط من نظرياتنا، ولا نستطيع اشتقاق أية تنبؤات محددة لأحداث منفردة منها (أي من النظريات). ولا شك أن هذا لا يبرر الإلحاح بأننا نستطيع اشتقاق علاقات واضحة لا لبس فيها بين المتغيرات التي يمكن ملاحظتها بشكل مباشر، أو أن هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على المعرفة العلمية –لا سيما إذا كنا لا نعرف أننا في تلك الصورة المبهمة للواقع، والتي ندعوها الإحصاءات، في المجاميع والمعدلات، نقوم، وعلى نحو لا مناص منه، باختصار العديد من الأشياء التي يكون معناها العادي واسعاً ومتنوعاً جداً. إنه لمبدأ معرفي خاطئ أن نكيّف النظرية وفقاً للمعلومات المتوفرة، لكي تبدو المتغيرات التي تمت ملاحظتها موجودة في النظرية بشكل مباشر.

إن المتغيرات الإحصائية، كالدخل القومي، والاستثمار، ومستويات الأسعار، والإنتاج، هي متغيرات لا تلعب أي دور في عملية تحديدها بالذات. قد نكون قادرين على ملاحظة بعض الانتظامات ("القوانين التجريبية" بالمعنى المحدد الذي قام كارل مينجر بموجبه بمقارنتها مع القوانين النظرية) في السلوك المُلاحَظ الذي تسلكه تلك المتغيرات. في بعض الأحيان، تنطبق هذه المتغيرات، ولكنها لا تنطبق في أحيان أخرى. مع ذلك، فباستخدام وسائل نظرية الاقتصاد الكلي، فإننا لا نستطيع صياغة الظروف التي تنطبق فيها على الإطلاق.

يجب أن لا يعني هذا أنني أعتبر ما يسمى بنظرية الاقتصاد الكلي شيئاً عديم الفائدة تماماً. إن ما لدينا حول العديد من الظروف المهمة هي مجرد معلومات إحصائية، وليست بيانات حول التغيرات في البنية الدقيقة. إذن، إن نظرية الاقتصاد الكلي عادة ما تحتمل القيم التقريبية، أو ربما التنبؤات التي لا نستطيع الحصول عليها بواسطة أية طريقة أخرى. ربما تكون نافعة في كثير من الأحيان لتعزيز استدلالاتنا المنطقية وبنائها على الافتراض بأن زيادة إجمالي الطلب سيقود بشكل عام إلى زيادة كبرى في الاستثمار، على الرغم من أننا نعرف أنه، في ظل بعض الظروف المعينة، قد يحدث العكس تماماً. إن هذه النظريات المصغرة العائدة لنظرية الاقتصاد الكلي مفيدة دون شك بوصفها الطرق المجربة لتوليد أو إنتاج التنبؤات في وجود المعلومات غير الكافية. ولكنها ليست أقل علميةً من نظرية الاقتصاد الجزئي فحسب؛ بل إنها –في المفهوم المحدد والدقيق– لا تمتلك سمة النظريات العلمية على الإطلاق.

في هذا الخصوص، لا بد لي من الاعتراف بأنني سأتعاطف مع آراء الشاب شومبيتر أكثر من تعاطفي مع آراء الكبار، إذ أن الكبار مسؤولون وإلى حد بعيد عن ارتقاء نظرية الاقتصاد الكلي وصعودها. قبل ستين عاماً بالتحديد، كتب شومبيتر في مؤلفه اللامع الأول، وبعد صفحات قليلة من تقديمه لمفهوم "الفردانية المنهجية" لتحديد طريقة النظرية الاقتصادية، مايلي:

"إذا ما أراد أحدٌ أن ينصب صرح نظريتنا، غير متأثر بمشاعر الغطرسة والأحقاد والمطالب الخارجية، فإنه لا يواجه هذه المصطلحات ["الدخل القومي"، "الثروة الوطنية"، "رأس المال الاجتماعي" على وجه التحديد] على الإطلاق. لذلك لن نكون معنيين بها (أي المصطلحات). وإذا أردنا أن نعنى بها، على أية حال، فسنرى إلى أي مدى كبير كانت مصابة بالغموض والصعوبات، وإلى أي مدى هي مرتبطة بالعديد من الأفكار المغلوطة، دون إعطاء ولو نظرية واحدة ذات قيمة."

ثالثاً:

وبالعودة إلى موضوعي الحقيقي، بعد أن شاطرتكم مخاوفي في هذه المسألة، أود أن أبدأ من ملاحظة أن نظرية السوق عادة ما تمنع الحصول على فهم صحيح للمنافسة من خلال الانطلاق من افتراض كمية "معينة" من البضائع الشحيحة، أيُّ البضائع شحيحةٌ في السوق، أو ما هي هذه البضائع وممَّ تتكون، أو ما مدى شحتها أو قيمتها، هذه بالضبط واحدة من الظروف التي على المنافسة أن تكتشفها: في كل قضية تكون النتائج الأولية لعملية السوق هي من يُعلِم الأفراد ويخبرهم عن المكان المفيد للبحث والمحاولة. إن استغلال المعرفة المستفيضة في مجتمع ذي نظام متقدم في تقسيم العمل، لا يمكن أن تستند على الشرط القائل بأن يعرف الأفراد كل شيء عن الاستخدامات المادية التي يمكن صنعها بالأشياء الموجودة في محيطهم. إذ أن انتباههم سيوجه إلى الأسعار التي يعرضها السوق للبضائع والخدمات المتنوعة. ويعني هذا فيما يعنيه أن التركيبة المعينة لقدرات ومهارات كل فرد –والتي عادة ما تكون فريدة في كثير من الاعتبارات– سوف لن تكون مجرد مهارات يستطيع الشخص المعني أن يقرأها بالتفصيل، أو يذكرها في تقرير لهيئة حكومية فحسب. بل إن المعرفة التي أتحدث عنها تحتوي –وإلى حد بعيد– على المقدرة على تقصي بعض الظروف، وهي مقدرة يستطيع الأفراد استخدامها بشكل مؤثر فقط عندما يخبرهم السوق عن البضائع المطلوبة أكثر من غيرها، وما مدى الإلحاح في الطلب عليها.

لا بد أن يكون هذا الاقتراح كافياً هنا لتوضيح نوع المعرفة التي أتحدث عنها عندما أسمي المنافسة إجراءاً اكتشافياً. لا بد لي من إضافة المزيد، اذا ما أردت صياغة هذا المخطط على نحو مادي ملموس يجعل معنى هذه العملية يظهر جلياً للعيان. على كل حال، يجب أن يكون ما أسلفتُ من القول كافياً ليبين سخف الطريقة التقليدية التي تنطلق من حالة تفترض أن تكون كافة الظروف الأساسية معروفة؛ حالة تحددها النظرية، وعلى نحو فضولي، على أنها منافسة كاملة، حتى وإن لم تعد الفرصة للفعالية التي ندعوها بالمنافسة موجودة. وفي الحقيقة، عليّ الآن أن أنتقل إلى قضية أخرى ما زال يكتنفها الشك والإرباك، ألا وهي بالتحديد معنى الادعاء القائل بأن السوق يقوم تلقائياً بتعديل خطط الأفراد وتكيفها وفقاً للحقائق المكتشفة حديثاً؛ بعبارة أخرى، قضية الغاية التي تستخدم لأجلها المعلومات المكتشفة حديثاً.

يمكن أن نعزو الإرباك الذي يخيم هنا ويسود، بشكل أساسي، إلى الفكرة الخاطئة القائلة بإن النظام الذي يجلبه السوق يمكن اعتباره اقتصاداً بالمعنى المحدود والصارم للكلمة، وأن النتيجة يجب أن تعامل أو تُحاكَم وفقاً لمعايير هي في الواقع ملائمة فقط لمثل هذا الاقتصاد الفردي. ولكن هذه المعايير التي تنادي باقتصاد حقيقي يكون فيه الجهد كله موجه صوب نظام موحد من الأهداف، هي إلى حد معين غير مرتبطة تماماً بالبنية المعقدة المتكونة من العديد من النظم الاقتصادية التي أطلقنا عليها جميعاً، ولسوء الحظ، إسم "اقتصاد". إن الاقتصاد، بالمعنى القوي للكلمة، هو منظمة، أو ترتيب يستخدم فيه الفرد الوسائل، بكامل وعيه، لخدمة تدرج تراتبي من الغايات. إن النظام التلقائي الذي أوجده السوق هو شيء مختلف تماماً، ولكن حقيقة أن نظام السوق هذا لا يسلك في العديد من الطرق سلوك الاقتصاد بالمعنى المناسب للكلمة —لا سيما حقيقة أنه لا يضمن عموماً تلبية ما يعتبره الناس غايات أكثر أهمية، قبل تلبية ما هو أقل أهمية–هي إحدى الأسباب الرئيسية لتمرد الناس ضده (أي ضد نظام السوق أعلاه). ويمكن القول إن الاشتراكية بأسرها، ليس لديها هدف سوى تحويل النظرية الكتالكسية -كما يعجبني أن أسمي نظام السوق، لأتجنب استخدام تعبير "الاقتصاد"– إلى اقتصاد حقيقي يحدد فيه المقياس الموحد للقيم، يحدد الحاجات التي يجب أن تُلبى والحاجات التي لا تُلبى.

بالرغم من ذلك، فإن هذه الأمنية التي يشترك فيها الكثيرون تخلق مشكلتين. أولاهما، على قدر تعلق الأمر بالقرارات الإدارية للاقتصاد الأصيل أو لأية منظمة أخرى، فإن المعرفة التي لدى المنظمين والمدراء لوحدها هي التي يمكن أن تتمتع بالتأثير. وثانيهما، أن على جميع أعضاء مثل هذا الاقتصاد الحقيقي الأصيل –والذين يتم تصورهم على أنهم منظمة تدار بوعي تام– أن يعملوا في خدمة التراتب الهرمي الموحد للأهداف وفي جميع أنشطتهم. وإذا ما قارنت هذا مع الفائدتين أو الامتيازين اللذين يتمتع بهما نظام السوق التلقائي، أو النظام الكتالكسي؛ فإنه يستطيع استخدام معرفة كافة عملاء السوق، كما أن الاهداف التي يخدمها هي الأهداف المعينة لكافة العملاء وفي كل تنوعهم وأقطابهم.

إن الحقيقة التي تفيد بأن النظام الكتالكسي لا يخدم نظاماً موحداً من الأهداف تثير وتدفع كل الصعوبات المألوفة التي لا تزعج الاشتراكيين فحسب، بل تزعج جميع علماء الاقتصاد الذين يحاولون جاهدين أن يقيّموا أداء نظام السوق. لأن نظام السوق، إذا لم يخدم فئة نظامية معينة من الأهداف، وإن لم يستطع أن يقال عنه بصفة شرعية أنه يملك أهدافاً محددة، شأنه شأن أي نظام تلقائي النشأة، فلن يكون من الممكن أن يمثل قيمة نتيجته، بوصفه مجموع لمنتجات الأفراد. إذن ما الذي نقصده عندما ندّعي أن نظام السوق، وبمعنى ما، ينتج الحد الأعلى أو الأقصى.

إن نقطة الانطلاق للإجابة لا بد أن تكون الرؤيا أو البصيرة، على الرغم من أن النظام التلقائي لم يكن قد خُلِقَ لأي هدف فردي معين، وبهذا المعنى لا يمكن أن يقال عنه أنه يخدم هدفاً مادياً محدداً، إلا أنه مع ذلك يستطيع الإسهام في تحقيق عدد من الأهداف الفردية التي لن يعرفها أحد في حالتها الجمعية. إن الفعل العقلاني الناجح الذي يقوم به الفرد ممكن فقط في العالم المنظم إلى حد معين؛ ومن الواضح أن محاولة خلق الظروف التي يتمتع في ظلها أي فرد يقع الاختيار عليه بصورة عشوائية، بفرص السعي لتحقيق أهدافه بكل فاعلية ممكنة، لهي محاولة ذات معنى حتى وإن كنا لا نستطيع التنبؤ بالأفراد المعينين الذين سيستفيدون من ذلك، والأفراد الذين لن يستفيدوا منه. ومثلما رأينا، فإن نتائج الإجراء الاكتشافي هي بالضرورة غير ممكنة التوقع، أي لا يمكن التنبؤ بها، وكل ما نستطيع توقعه من خلال استخدام الإجراء الاكتشافي الملائم هو أنه سيزيد من فرص الأشخاص غير المصنفين أو غير المحددين، وليس فرص أية نتيجة معينة لأي أشخاص محددين. إن الهدف العام الوحيد الذي نستطيع السعي إليه في اختيار هذه التقنية لتنظيم الواقع الاجتماعي هو البنية المطلقة أو النظام الذي سيخلق كنتيجة تابعة.

رابعاً:

لقد اعتدنا على تسمية النظام الذي تجلبه المنافسة بـ"التوازن" –وهو تعبير غير موفق تماماً، طالما أن التوازن الحقيقي يفترض أن هناك حقائق ذات صلة قد تم اكتشافها مسبقاً وأن عملية المنافسة قد انتهت بذلك. أما مفهوم النظام، الذي أفضله على تسمية التوازن، على الأقل في مناقشات السياسة الاقتصادية، فله امتياز أو فائدة السماح لنا بالتحدث بشكل بليغ عن الحقيقة القائلة بأن النظام يمكن تحقيقه بدرجة كبيرة كانت أم صغيرة، وأن النظام يمكن أيضاً أن يحفظ عندما تتغير الأشياء. وبينما لا يمكن للتوازن أن يوجد على أرض الواقع، يستطيع المرء رغم ذاك أن يدّعي –وبشكل مبرر– أن نوع النظام الذي يقدمه " توازن" النظرية بوصفه نوعاً مثالياً، قد تحقق إلى مدى بعيد.

ويكشف هذا النظام عن نفسه، أولاً عن طريق الحقيقة القائلة بأن توقعات بعض التداولات المعينة مع الأشخاص الآخرين، والتي يستند عليها كل المشاركين في الاقتصاد، قد تحققت إلى درجة معينة. إن هذا التكيف المتبادل للخطط الفردية قد جاء من خلال العملية التي تعلمنا أن نسميها التغذية الراجعة السلبية منذ ان بدأت العلوم الطبيعية أن تعنى أو تدخل نفسها في الأنظمة التلقائية، أو "الأنظمة ذات التنظيم الذاتي." في الحقيقة، وكما بدأ البيولوجيون الأكفاء يدركون، فإن:

"آدم سميث، قبل أن يطور كلاود بيرنارد، أو كلارك ماكسويل، أو بيتر بي. كانون، أو نوبيرت وينر علم التحكم الآلي بوقت طويل، قد أدرك الفكرة بوضوح في كتابه غنى الأمم. فاليد الخفية التي تنظم الأسعار تظهر وكأنها تعبر عن هذه الفكرة. يقول سميث، بشكل جوهري، أنه في السوق الحرة، تتحدد الأسعار بواسطة التغذية الراجعة السلبية."

إن الدرجة العالية من توافق التوقعات تُجلَبُ عن طريق إخفاق التوقعات بالتحديد. وهذه الحقيقة، كما سنرى لاحقاً، تتمتع بأهمية أساسية في فهم وظيفة أو كيفية عمل نظام السوق. ولكن منجزات السوق لا تُنتهك أو تُستنزف في جلب التكيف المتبادل للخطط الفردية. كما أنها تشترط أن يتم إنتاج كل منتوج على يد هؤلاء الذين يستطيعون إنتاجه بكلفة أرخص (أو رخيص على الأقل)، مثلهم مثل أي فرد لا يستطيع إنتاجه في الواقع، وأن تباع البضائع بأسعار أوطأ من تلك التي يعرضها أي شخص بوسعه إنتاج تلك البضائع، ولا يقدم على عرضها. ولكن هذا لا يمنع بالطبع بعض الناس من انتزاع أرباحاً كبيرة فوق كلفة الإنتاج، طالما كانت كلف الإنتاج أوطأ من تلك التي قد يتكبدها أقرب منتج ممكن لتلك البضاعة. وهذا يعني، على كل حال، أن تركيبة البضائع المختلفة التي يتم إنتاجها فعلاً، ينتج منها القدر الذي نستطيع أن نصنّعه نحن بأية طريقة معروفة لدينا. وهذا بالطبع ليس بنفس القدر الذي نستطيع انتاجه إذا كانت كل المعرفة التي يمتلكها كل فرد أو يستطيع إدخالها من هناك في جهاز حاسوب. إن كلفة الإجراء الاكتشافي الذي نستخدمه كبيرة. ولكن من غير العدل أن نحكم على أداء السوق بمعنى معين من "القمة إلى القاع" وعلى وجه التحديد، من خلال مقارنته بالمعيار المثالي الذي لن نستطيع الحصول عليه بأية طريقة معروفة. فإذا ما حكمنا على أداء السوق من "القاع إلى القمة" ( وتبدو هذه الطريقة هي الوحيدة المسموح بها)، أي من خلال المقارنة مع ما يمكن إنتاجه إذا ما كانت المنافسة ممنوعة –على سبيل المثال، إذا ما أُنتجَت البضاعة فقط على يد هؤلاء الذين سمحت لهم السلطة بذلك– فإن أداء السوق يجب أن يحكم عليه على أنه كبيرٌ جداً. نحتاج فقط إلى أن نتذكر مدى صعوبة اكتشاف طرق جديدة لتزويد المستهلك ببضائع أفضل وأرخص ثمناً مما عليه الحال الآن، في نظام الاقتصاد ذو المنافسة المؤثرة. إذا ما اعتقدنا –ولو للحظة– أننا اكتشفنا مثل هذا الفرص غير المعروفة، فإننا عموماً سنجد أن سلطة الحكومة، وأن ممارسة غير محببة جداً للسلطة الخاصة قد منعت استغلالها حتى تلك اللحظة.

وبالطبع إن علينا أن لا ننسَ ايضاً أن السوق لا يستطيع أن يوفر أكثر من رقم تقريبي لأية نقطة على السطح البُعدي الاعتيادي التي تصف النظرية الخالصة –بموجبها– نطاق الإمكانيات التي يمكن الحصول عليها، وبشكل معقول، في إنتاج أي تركيبة من البضائع والخدمات، ولكن السوق يسمح للتركيبة المعينة للبضائع المختلفة، وتوزيعها بين الأفراد لأن تخضع لتحديد بعض الظروف التي لا يمكن توقعها، وبهذا المعنى أن تُترك للمصادفة. وكما أدرك آدم سميث، فان الموقف يشبه إلى حد ما الاتفاق على لعب لعبة تعتمد بشكل جزئي على المهارة، كما تعتمد -وبشكل جزئي أيضاً- على الحظ. وتضمن قواعد اللعبة أنه مثلما يترك سعر حصة كل فرد من الأفراد للمصادفة تقريباً، فإن النظير أو المكافئ الحقيقي لحصة فرد، بالاعتماد على المصادفة جزئياً سيكون بأكبر قدر ممكن. وفي المصطلحات الحديثة، نستطيع القول أننا نلعب لعبة (المجموع غير الصفري) التي تمتلك قواعدها هدف زيادة الدفع، ولكن تترك حصة الأفراد إلى المصادفة، بشكل جزئي. إن العقل الذي يُمنح معلومات كاملة يستطيع بالتأكيد أن يختار كل نقطة على السطح البُعدي الاعتيادي الذي يبدو محبباً لديه ومن ثم يوزع منتوج التركيبة الذي يختار بالطريقة التي يراها ملائمة، ولكن النقطة الوحيدة في هذا السطح (أو في نقطة قريبة منه على الأقل)، والتي نستطيع الوصول إليها باستخدام الإجراء المعروف لنا هي تلك التي نستطيع الوصول إليه عندما نترك تحديدها وفقاً لما يقرره السوق. إن ما يسمى بالحد الأعلى الذي نحصل عليه بهذا الأسلوب لا يمكن بالطبع أن نعرّفه على أنه إجمالي بعض الكميات من البضائع، ولكن فقط من خلال الفرصة التي تُمكن فيها أشخاص غير محددين من استلام أكبر معادل أو مكافئ ممكن للحصة التي تحددها الصدفة بشكل جزئي. إن حقيقة أن هذه النتيجة لا يمكن تقييمها على أساس مقياس موحد للقيمة بأهداف مادية محببة، هي إحدى الأسباب الرئيسية التي تجعل الأمر مربكاً ومضللاً جداً بالنسبة لي لاعتبار نتيجة نظام السوق أو النظام الكتالكسي، كما أنها مشابهة تماماً للاقتصاد بالمفهوم الطبيعي.

خامساً:

تنعكس تبعات أو نتائج هذا التفسير الخاطئ لنظام السوق بوصفه اقتصاداً مهمته تلبية الحاجات المتنوعة وفقاً لتنظيم فئوي معين، تنعكس في الجهود السياسية لتصحيح الأسعار والمدخلات في خدمة ما يسمى بـ"العدالة الاجتماعية". على الرغم من المعاني المتنوعة التي حاول الفلاسفة الاجتماعيون إلحاقها بهذا المفهوم، إلا أنه لا يمتلك في النهاية سوى معنى واحداً، ألا وهو حماية بعض المجاميع من الناس من الاضطرار للنزول عن أسلوب الحياة المطلق أو النسبي الذي كانوا يستمتعون به حتى تلك اللحظة أو التخلي عنه. ومع ذلك، فإن هذا مبدأ لا يمكن تنفيذه عموماً، دون تدمير أسس نظام السوق. في بعض الاحيان، ليس النمو المستمر فقط، بل حتى الحفاظ على مستوى معدل الدخل المستحصل، يعتمد في بعض الظروف المعينة على عمليات التكيف التي تتطلب تغييراً ليس فقط في الحصص النسبية، ولكن في الحصص المطلقة لبعض الأفراد والجماعات ايضاً، حتى وإن كان هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات غير مسؤولين عن ضرورة ذلك التغيير.

من المفيد أن نتذكر عند هذه النقطة أن كل القرارات الاقتصادية تجعلها التغيرات غير المتوقعة قرارات ضرورية، وأن التبريرات لاستخدام آليات الأسعار فقط هو أنها تبين للأفراد أن ما كانوا قد فعلوه مسبقاً، أو ما يستطيعون فعله الآن، أصبح أكثر أهمية، أو أقل أهمية، لأسباب لا علاقة لهم بها. إن تكيف النظام الكامل للفعل البشري مع الظروف المتغيرة، يعتمد على حقيقة أن التعويض عن الخدمات المتنوعة يتغير دون أن يأخذ بالحسبان محاسن أو عيوب هؤلاء المعنيين بالأمر.

وفي هذا الصدد، عادة ما يستخدم مصطلح "الحوافز" بطريقة تسمح بسوء الفهم، على وجه التحديد، بالرغم من أن غاياتها الرئيسية هي لدفع الافراد لاستغلال أنفسهم وممارسة قابلياتهم بشكل لائق. وعلى كل حال، إن وظيفة الأسعار الأكثر أهمية هي أنها تخبرنا ما الذي يجب علينا إنجازه، وليس ما كميته أو حجمه. في عالم سريع التغير، إن مجرد إدامة مستوى معين من الرفاه تتطلب إنسجاماً أو تكيفاً مستمراً في كيفية توجيه جهود العديد من الأفراد؛ وهذه التكيفات تحدث فقط عندما يتغير التعويض النسبي لهذه الفعاليات. وعلى كل حال، ففي ظل بعض الظروف الثابتة نسبياً، لن تولد هذه التكيفات –التي نحتاج إليها لإدامة تدفق الدخل بمستواه السابق– فائضاً يمكن استخدامه لتعويض هؤلاء الذين تضرروا من تغير الأسعار. فقط في الاقتصاد سريع النمو، نستطيع أن نأمل منع التدهور المطلق في المستوى المادي لبعض الجماعات المعينة.

أما اليوم، فإن المعالجات المعتادة لهذه المشكلات عادة ما تهمل الحقيقة القائلة بأن حتى الاستقرار النسبي للتجمعات أو الكميات المجمعة المتنوعة التي يعاملها علم نظرية الاقتصاد الكلي على أنها بيانات، هو نتيجة لعمليات نظرية الاقتصاد الجزئي التي تلعب فيها تغيرات الأسعار النسبية دوراً حاسماً. إنه نتيجة لآلية السوق أن يقوم شخص ما بملء الفراغ أو النقص الذي ينجم عندما لا يحقق شخص آخر التوقعات التي على أساسها وضع طرف آخر خططاً. وبهذا المعنى، فإن كل منحنيات العرض والطلب الجمعية التي نستخدمها باقتناع وسرور ليست بيانات حقيقية، بل إنها نتائج لعملية المنافسة المستمرة بشكل ثابت. لذلك، فإن المعلومات الإحصائية لن تستطيع أن تكشف لنا أي التغيرات في الأسعار والدخل سنحتاج إليها لنحدث التكيف اللازم مع التغيير الذي لا مناص منه في البيانات.

والنقطة الحاسمة هي أنه في المجتمع الديمقراطي، يكون من المستحيل تماماً، أن نجلب تلك التغيرات التي لا شك أنها ضرورية، ولكن ضرورتها لا يمكن إظهارها في حالة معينة، باستخدام الأوامر التي لا يمكن اعتبارها أوامر عادلة قط. في مثل هذا النظام، ينبغي على الاتجاه الواعي للاقتصاد أن يهدف دائماً الى الأسعار التي تعتبر عادلة، وفي الممارسة العملية، لا يعني هذا سوى الحفاظ على السعر الموجود وبنية الدخل. إن النظام الاقتصادي الذي يتلقى فيه كل فرد ما يشعر الآخرون أنه يستحقه، لا يستطيع إلا أن يكون نظاماً واهياً تماماً، بالإضافة إلى حقيقة كونه أيضاً نظاماً استبدادياً بشكل لا يطاق. ولنفس السبب، يخشى أيضاً أن أية "سياسات دخل" ستميل نحو منع تلك التوافقات أو التكيفات في السعر وبنية الدخل، وليس إلى تسهيلها، من خلال التكيف مع التغيرات غير المتوقعة التي تحدث في الظروف.

إنه لمن مفارقات عصرنا هذا أن البلدان الشيوعية، في هذا الخصوص، قد تكون أقل من البلدان الرأسمالية والديمقراطية تحملاً لعبء أفكار "العدالة الاجتماعية" وأنها –لهذا السبب- أكثر عرضة للسماح بمعاناة هؤلاء المتضررين من التطور. في بعض البلدان الغربية، على أقل تقدير، الوضع يائس ومحبط كما هو عليه، لأن الايديولوجيا التي تحدد السياسة قد جعلت من تلك التغيرات الضرورية لتطوير وضع الطبقة العاملة بسرعة كافية لجعل تلك الأيديولوجيا تختفي، جعلت منها شيئاً مستحيلاً.

سادساً:

إذا كانت المنافسة مهمة، حتى في الأنظمة الاقتصادية البالغة التطور، لأنها في الأساس إجراءاً اكتشافياً يبحث فيه أصحاب المبادرة –وباستمرار– على فرص غير مستغلة يمكن أن يستفيد منها الآخرون ايضاً، إذن فذلك يصح أيضاً وبدون شك وإلى مدى أوسع، عندما يتعلق الأمر بالمجتمعات النامية. لقد ابتدأتُ عن قصد (في مقالي هذا) مركزّاً على مشكلات إدامة نظامٍ في المجتمعات التي تكون فيها معظم التقنيات والقوى المنتجة معروفة عموماً، ولكنه نظام يتطلب أيضاً تكيفاً أو انسجاماً مستمراً للفعاليات مع التغيرات الصغيرة التي لا مناص منها للحفاظ على المستوى الذي تم الحصول عليه مسبقاً. وفي هذه النقطة، لا أرغب في البحث والتقصي عن الدور الذي تلعبه المنافسة في تقدم التكنولوجيا المتوفرة. أود التركيز، على كل حال، على مدى الأهمية التي يجب ان تكون عليها المنافسة حيثما يكون الهدف هو اكتشاف الامكانيات غير المعروفة لحد الآن في المجتمع الذي كانت فيه المنافسة محدودة في الماضي. وبينما يكون التوقع خاطئاً في معظمه، إلا أنه لا يكون من السخف التام أن نتوقع أننا نستطيع التنبؤ والسيطرة على بنية المجتمع البالغ التطور. ولكن يبدو من غير المعقول بالنسبة لي أن أقتنع بأننا نستطيع بشكل مسبق تحديد البنية المستقبلية للمجتمع الذي ما تزال المشكلة الرئيسية فيه هي معرفة أنواع المواد والقوى الإنتاجية البشرية المتوفرة لديه، أو أن علينا ان نكون في وضع، في بلد كهذا، يمكننا التنبؤ بالنتائج أو التبعات الخاصة للإجراء المعين.

وبعيداً عن حقيقة أن هناك الكثير لاكتشافه في مثل هذا البلد (أي البلد النامي)، يبدو لي أن هناك اعتباراً آخر يجعل من أعظم الحريات الممكنة للمنافسة أكثر أهميةً مما قد تكون عليه في البلدان المتطورة. والحقيقة التي في مخيلتي هي أن التغيرات الضرورية في العادات والتقاليد ستحدث فقط عندما يستطيع هؤلاء المستعدون والقادرون على تجريب إجراءات جديدة في أن يجعلوا الآخرين يشعرون بضرورة أن يقلدوهم وأن يحذوا حذوهم، فيقوم المستعدون للتغيير والقادرون عليه بإرشاد الآخرين إلى الطريق. ولكن إذا ما كانت الأغلبية في وضع يتمكنون فيه من منع الأقلية من إجراء التجارب، فان إجراء الاكتشاف الضروري سيخفق. إن الحقيقة القائلة بان المنافسة لا تدل على طريقة تطوير الأشياء فحسب، بل إنها أيضاً تجبر كل هؤلاء، الذين يعتمد دخلهم على السوق، على تقليد التطويرات والتحسينات، إن هذه الحقيقة هي بلا شك واحدة من أهم الأسباب للنفور من التنافس والعزوف عنه. فالمنافسة تمثل نوعاً من الإجبار الذي سيؤدي بالعديد من الأفراد إلى تغيير سلوكهم بطريقة لا يمكن جلبها أو تحقيقها بأي نوع من الإرشادات أو الأوامر. قد يكون التخطيط المركزي في خدمة أية "عدالة اجتماعية" نوعاً من الترف الذي تستطيع الدول الغنية تحمله، ولكنه بالتأكيد ليس طريقة للدول الفقيرة لانجاز التكيف والتوافق مع الظروف سريعة التغير التي يعتمد عليها النمو.

وقد يكون من الجدير بالذكر في هذا الخصوص، أنه كلما ازدادت الفرص المتوفرة وبقيت غير مستثمرة في البلد، كلما ازدادت فرصه في النمو، وعادة ما يعني هذا أن المعدل المرتفع للنمو هو علامة تدل على سوء سياسات الماضي أكثر من دلالاتها على حسن سياسات الحاضر. كما يبدو أيضاً أن المرء لا يستطيع عموماً أن يتوقع أن يمتلك البلد المتطور أصلاً معدلاً عالياً من النمو مثله مثل البلد الذي يكون الاستخدام التام لموارده قد استحال ولوقت طويل بواسطة العوائق القانونية والمؤسساتية.

ولأنني قد رأيت ما رأيت في هذا العالم، يبدو لي أن نسبة الناس المهيأين لتجريب إمكانيات جديدة تَعِدُ بتحسين وضعهم –شرط أن لا يمنعهم الآخرون من القيام بذلك– هي نسبة متشابهة تقريباً في كل مكان. يبدو لي أن الافتقار إلى روح المبادرة التي يندبها الكثيرون، في العديد من البلدان الفتية الناشئة ليس صفة ثابتة غير قابلة للتغيير في الأفراد من قِبَل الاتجاه السائد. ولهذا السبب بالتحديد، سيكون الأثر مأساوياً، في مثل هذه البلدان، إذا ما سيطرت الإرادة الجمعية للأغلبية على جهود الأفراد، بدلاً من أن تقوم القوة العامة بتقييد نفسها لحماية الأفراد من ضغط المجتمع –ولا يستطيع القيام بهذا الشيء الأخير إلا مؤسسة الملكية الخاصة، وكافة المؤسسات الليبرالية لحكم القانون المرتبطة معها.

سابعاً:

على الرغم من أن المنافسة عموماً هي نوع مرن على قدر تعلق الأمر بالشركات الخاصة –ذلك النوع الذي يستمر في الظهور على السطح، بأسلوب غير متوقع، بعد الجهود الحثيثة لمنعه– إلا أن فائدته فيما يخص عامل الإنتاج الوحيد كُـلّي الوجود، ألا وهو الجهد البشري، على وجه التحديد، قد تعرضت (أي فائدته) إلى تقليل فاعليتها في عموم العالم الغربي. إنها لحقيقة معروفة بشكل عام أن المشكلات الأكثر صعوبة، بل والمطلقة بشكل واضح، في السياسة الاقتصادية في يومنا الحاضر، والتي سيطرت على اهتمام علماء الاقتصاد أكثر من أية مشكلة اخرى، هي نتيجة لما يسمى بصلابة أو صرامة الأجور. وهذا يعني في جوهره أن بنية الأجر وكذلك مستوى الأجر قد أصبح مستقلاً عن ظروف السوق، وبشكل متزايد. يعتبر معظم علماء الاقتصاد هذا الموقف على أنه تطور لا مفر منه وليس بإمكاننا تغييره، وعلينا أن نكيف سياساتنا معه. إنه ليس من قبيل المبالغة أن نقول أنه، وعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية، تعاملت مناقشات السياسة النقدية على وجه التحديد، بشكل حصري تقريباً، مع مشكلات مراوغة أو تفادي الصعوبات التي خلقتها الأجور المتصلبة أو غير المرنة. لقد مر وقت طويل منذ أن كونتُ الانطباع القائل بأن هذا كله كان مجرد معالجة للأعراض. في هذه اللحظة، قد نغطي الصعوبات الأساسية، ولكن هذا ليس مجرد تأجيلٍ للحظة التي علينا فيها أن نواجه المشكلات الاساسية بشكل مباشر، ولكنه أيضاً يجعل الحل النهائي لهذه المشكلات أكثر صعوبة. إن قبول هذه الصلابة والجمود على أنها حقائق لا مفر منها لم يؤدِّ إلى زيادة حجمها فحسب، بل إنه يضفي أيضاً هالة من الشرعية على الممارسات اللا اجتماعية والهدامة التي تسببت فيها تلك الصلابة. وعلي أن أعترف بأنه نتيجة لذلك، فقدت أنا شخصياً كل الاهتمام بالمناقشات المستمرة للسياسة النقدية، والتي كانت ذات يوم إحدى أهم مجالاتي البحثية، لأن هذا التجنب للقضية الرئيسية يبدو لي وكأنه يضع العبء على أكتاف الأجيال التي تلينا بطريقة لا مسؤولة. وبمعنى معين، بالطبع، نحن نحصد هنا ما قد زرعه مؤسس هذا الطراز أو التقليد، طالما أننا بشكل طبيعي نقع في "المدى البعيد" الذي كان يعرف تماماً أنه سيكون ميتاً عندما يحين.

إنه لمن سوء حظ العالم أن هذه النظريات قد انبثقت من الوضع غير الاعتيادي تماماً، بل ربما الوضع المتفرد لبريطانيا العظمى في العشرينيات من القرن العشرين –وهو الوضع الذي ظهر فيه جلياً أن البطالة كانت نتيجة لارتفاع مستوى الأجور الحقيقي، لذلك فإن مشكلة صلابة وجمود بنية الأجور كانت ذات أهمية محدودة. ونتيجة لعودة بريطانيا العظمى إلى معيار الذهب، بعد التضخم إبان الحرب عام 1914، يمكن الادعاء مع بعض التبرير، أن كافة الأجور الحقيقية في البلد كانت عالية جداً مقارنة بسائر أنحاء العالم، وأعلى مما يمكنها الحصول على الحجم الضروري من الصادرات. لست مقتنعاً بأن ذلك كان حقيقياً، حتى في ذلك الحين. حتى في ذلك الوقت، لنكن متأكدين، كانت لدى بريطانيا العظمى أقدم وأرسخ وأشمل حركة لاتحاد العمال، والتي نجحت من خلال سياسة أجورها، في الحفاظ على بنية الأجر التي تم تحديدها بواسطة اعتبارات "العدالة" أكثر منها باعتبارات الملائَـمة الاقتصادية. وكان هذا يعني عموماً أن العلاقات المشرّفة بين الأجور المختلفة قد أُديمَت، وأن أي تغيير في مثل هذه الظروف المتغيرة، قد أصبح مستحيلاً تماماً. وكما سارت عليه الظروف حينها، كان التشغيل التام (توفر فرص العمل الكاملة) ليكون ممكناً بالتأكيد فقط من خلال تخفيض بعض الأجور الحقيقية –ربما تلك التي تتقاضاها مجاميع العمال الكثيرة– والنزول بها من ذلك المستوى الذي وصلت إليه نتيجة للانكماش في الأسعار. وعلى كل حال، إنه ليس من المؤكد أن ذلك كان ليعني بالضرورة نزولاً في معدل الأجور الحقيقة. ربما كان تكيف بنية الاقتصاد برمته والذي يجلبه التغير في الأجور ليجعل ذلك غير ضروري. وفي كل حال، فإن التأكيد الذي كان معتاداً آنذاك، وكما هو الحال الآن، أن ينصبّ على مستوى معدل الأجر الحقيقي لكافة عمال البلد قد منع هذه الامكانية من أن تُعامل بجدية.

قد يكون من المفيد أن ننظر إلى المشكلة من منظار أوسع. يبدو لي من المستحيل أن أشكك في أن إنتاجية العمل في بلد ما، وكذلك بطبيعة الحال مستوى أجر العمل الذي يمكن معه التشغيل الكامل يعتمدان على توزيع العمال ما بين الأجزاء المتنوعة للصناعة، وأن هذا التوزيع بدوره يتحدد بواسطة بنية الأجر (أو تركيبته). ولكن بنية الأجر هذه، إذا ما أصبحت صلبة جامدة على نحو معين، فإنها ستمنع أو تؤجل تكيف الاقتصاد مع الظروف المتغيرة. وهكذا يفترض –في البلد الذي تكون فيه العلاقات بين الأجور المتنوعة قد احتفظت بصلابتها وتجمدها لفترة طويلة من الزمن– أن يكون مستوى الأجر الحقيقي الذي يمكن معه الوصول إلى تشغيل كامل (للأيدي العاملة) أدنى بكثير من ذلك المستوى الذي سيكون عليه الحال إن كانت الأجور مرنة.

يبدو لي أن البنية الصلبة للأجرة ستمنع التكيف مع التغيرات في الظروف الأخرى، لا سيما بغياب التطور التكنولوجي السريع الذي اعتدنا عليه في أيامنا هذه. وهذا يتعلق أيضاً، وبشكل خاص، بالتكيف مع تلك التغيرات التي يجب أن تحدث لأجل الحفاظ على ثبات مستوى الدخل. لذلك فإن بنية الأجر المتصلبة وغير المرنة عرضة لأن تؤدي إلى تناقص تدريجي في مستوى الأجور الحقيقية التي يمكن معها تحقيق التشغيل الكامل للأيدي العاملة. ولسوء الحظ ، لا أعرف أي بحث مبني على التجربة العلمية قد تقصى العلاقة بين مرونة الأجور والنمو. وأتوقع أن بحوثاً مثل هذا ستكشف عن ارتباط ايجابي عالٍ بين هذين المتغيرين –ليس لأن النمو يقود إلى تغيرات في الأجور النسبية، ولكن لأن مثل هذه التغيرات هي الشروط المسبقة الضرورية لذلك التكيف مع الظروف المتغيرة التي يتطلبها النمو.

ولكن النقطة الأساسية –كما أعتقد– هي أنه إذا صح أن مستوى الاجور الحقيقية التي يمكن معها الوصول إلى التشغيل الكامل للأيدي العاملة يعتمد على بنية الأجر، وإذا بقيت النسب بين الأجور المتنوعة دون تغيير عندما تتغير الظروف، إذن فإن المستوى الحقيقي للأجور الذي يمكن فيه تحقيق تشغيل كامل إما سيكون في تدهور مستمر، أو أنه لن يرتفع بالسرعة التي قد تكون ممكنة في غير تلك الظروف. وهذا يعني أن معالجة مستوى الأجور الحقيقي بواسطة السياسة النقدية لا توفر طريقاً للخلاص من الصعوبات التي تسببت فيها صلابة بنية الأجور. كما لا يمكن توفير طريقاً للخلاص من هذه الطريقة من خلال أية سياسة عملية ممكنة للدخل. بل إنه، وكما اتضح، أن صلابة بنية الأجور التي جلبتها سياسة الأجور لاتحادات العمال لمصلحة أعضائها كما يفترض (أو لمصلحة أية فكرة للعدالة الاجتماعية) هي التي أصبحت إحدى أعظم العوائق التي تواجه الزيادة في دخل العمال بشكل عام، بعبارة أخرى، إذا ما منعت أجور الأفراد من الانخفاض المطلق أو النسبي على أقل تقدير، فإن مستوى الأجور الحقيقية للعمال بشكل عام لن يرتفع بنفس السرعة التي يمكن أن تحدث في ظروف أخرى.

إن النموذج المثالي الكلاسيكي الذي وصفه جون ستوارت ميل في سيرته الذاتية والذي يقول بـ"تشغيل تام لكل أبناء الطبقة العاملة بأجور عالية" لا يمكن تحقيقه إلا بالاستخدام الاقتصادي للعمالة، والذي يفترض بدوره أجوراً نسبية تتذبذب بكل حرية. وبدلاً عن هذا النموذج المثالي، فإن الرجل العظيم الذي قد يذهب إسمه في التاريخ على أنه حافر قبر الاقتصاد البريطاني، قد أشاع تقليل مستوى الأجور الحقيقية عبر تقليل قيمة النقود كطريقة للحصول على تشغيل تام، مدركا لصلابة البنية الإسمية للأجور وعدم مرونتها. وحسب اعتقادي، على كل حال، فإن تجربة السنوات الحالية تُبين بوضوح أن هذه الطريقة لا تقدم إلا حلاً أو إنقاذاً مؤقتاً. أعتقد أن علينا أن لا نؤجل الهجوم على السبب الجذري للمشكلة بعد الآن. إذ أننا لا نستطيع أن نستمر في إغماض أعيننا عن حقيقة أن مصلحة العمال بصورة عامة تتطلب إزالة تامة لقوة أو سلطة إتحادات العمال في إدامة الوضع النسبي لأعضائها على حساب العمال الآخرين. يظهر أن المهمة الأكثر أهمية في الوقت الحالي هي إقناع العمال جميعاً بأن إزالة الحماية النسبية لبعض المجاميع لا يهدد فرص الزيادة السريعة في الأجور الحقيقية للعمال جميعاً، بل إنه يدعم تلك الفرص.

سوف لن أجادل هنا بالتأكيد ذاهباً إلى أنه، في المستقبل المنظور، سيظل أمر استعادة سوق العمل الحر الحقيقي مستحيلاً سياسياً. إذ أن أية محاولة مثل هذه قد تقود إلى صراعات كبيرة قد لا ينظر إليها بجدية —على الأقل، طالما أن أرباب العمل أو المشغّلين لا يضمنون جميعاً إدامة معدل الدخل الحقيقي لمستخدميهم وموظفيهم. ولكن مثل هذا الضمان، كما أعتقد، هو بالتحديد الطريق الأمثل لاستعادة السوق لوظيفته في تحديد الأجور النسبية للجماعات المتنوعة. وبهذه الطريقة فقط، كما يبدو لي، نأمل أن نحث مجاميع العمال المعينة على ترك حماية أو أمان المعدلات المحددة والثابتة لأجورهم، والتي اصبحت عائقاً رئيسياً لمرونة بنية الأجور. إن مثل هذه الاتفاقية الجمعية بين المشغلين (أو أرباب العمل) بشكل عام والمستخدمين أو الموظفين بشكل عام، تبدو لي تدبيراً انتقالياً يستحق النظر الجاد، لأن النتيجة قد تبين للعمال حجم ما يمكن أن يحصلوا عليه من سوق العمالة الحقيقي الذي يشتغل بصدق. وهذا بدوره سيخلق فيما بعد فرصاً لإزالة الجهاز المعقد والممل الذي كان قد خُلِقَ ابتداءً.

إن ما يدور في ذهني هو عقد عام يَعِدُ بموجبه أرباب العمل جميعاً كافة العمال بمنحهم أجورهم الحقيقية السابقة بكاملها، إضافة إلى نسبة من الأرباح الإضافية التي تحققت، ولمدة سنة ابتداءً. وعلى كل حال، فان كل مجموعة معينة أو كل فرد عامل سوف يستلم في صك راتبه الشهري جزءاً فقط –لنقل خمسة أسداس الأجور الموزعة. لقد اقترحت الخمسة أسداس كحصة مدفوعات مستمرة، طالما أن ذلك سيجعل من الممكن دفع علاوة أو منحة أعياد الميلاد بمعدل دخل شهر (راتب شهر)، على أساس التخمين الأولي للأرباح، وكذلك دفع منحة عطلة ثانية، بمقدار مساوٍ تقريباً عندما تُغلَق سجلات السنة المالية. وللسنة اللاحقة، تُضمَن معدلات الأجور الاعتيادية للسنة الأولى مرة أخرى، ولكن عند نهاية العام، يدفع لكل مجموعة خمسة أسداس المبلغ الكلي المدفوع في السنة السابقة، إضافة إلى ملحق في نهاية العام لكل مجموعة، اعتماداً على الأرباح المتحققة في الشركة أو الصناعة ذات العلاقة.

إن مثل هذا الإجراء سيتمتع نوعاً ما بنفس تأثير استعادة سوق العمالة الحرة، ما عدا أن العمال سيعرفون أن معدل الأجور الحقيقية سوف لن يتناقص، بل يتزايد فقط. أعتقد أن مثل هذا التقييم غير المباشر لآليات السوق لتحديد توزيع العمال على الصناعات والشركات سيجلب معه تسريعاً معقولاً لزيادة مستوى معدلات الأجور الحقيقية، إضافة إلى نقصان مصاحب في الأجور الحقيقية لبعض الجماعات المعينة.

سوف تصدقونني إذا ما قلت إنني لا أحاول أن أخفف من حدة مقترح غير منطقي جداً وأقدمه على أنه معقول. ولكن إجراءاً من هذا النوع، كما أعتقد، هو الطريقة المتبقية الوحيدة للخلاص من صلابة وجمود بنية الأجور. ولا تبدو لي هذه الصلابة السبب الأساسي لزيادة الصعوبات الاقتصادية لبلدان كبريطانيا العظمى فحسب، بل إنها تدفع مثل هذه البلدان صوب تراكيب وبنى اقتصادية مخطط لها، أي أنها أكثر صلابة وجموداً، وبذلك تضللها وتُغرقها بأعراض المرض من خلال "سياسات الدخل" وما إلى ذلك. يبدو أن العمال فقط هم من سيكسبون من حل مثل هذا، ولكني أدرك بالطبع أن مسؤولي إتحاد العمال سيخسرون من خلاله جزءاً كبيراً من سلطتهم وقوتهم لذا فإنهم سيرفضونه بالكامل.

© معهد كيتو، مصباح الحرية، 24 كانون الثاني 2006.

أضف تعليقك:
الإسم:
الموضوع:
التعليق:


تعليقات:

 


Developed & Designed by MediaPlus ©